ميل النفس إلى تقييم أفعال الناس ..

الاختلاف في وجهات النظر أو الاختلاف في المبادئ والقيم يأخذ منحى مبالغا فيه أحيانا، ويصل لدرجة توزيع الصكوك على الناس. في ليلة رأس السنة في إسطنبول وقعت حادثة إرهابية راح ضحيتها عشرات من الأبرياء من جنسيات مختلفة. على قدر الألم والصدمة التي هالت جميع أنحاء العالم إثر هذه الحادثة، إلا أن أغلب النقاش في مجتمعنا كان يدور حول السؤال: هل وقعت الحادثة في مطعم أم في ملهى؟ وهل الضحايا في الجنة أم في النار؟

من الممكن الاستنتاج من ردات الفعل تجاه الحادثة الإرهابية في إسطنبول وغيرها من ردات الفعل المشابهة على وجود حالة من المبالغة في إطلاق الأحكام على الناس في مجتمعنا. على سبيل المثال لا يزال هناك الكثير ممن يحكم على من تلبس العباءة المزخرفة بأنها فاسدة، أو مثلا من يحكم على ولي الأمر الذي يسمح لابنته بالعمل في مكان مختلط بأنه فاسد وعديم غيرة.

هناك أسباب عدة أدت إلى ظهور هذه المبالغة في إطلاق الأحكام على الناس في مجتمعنا. أحد هذه الأسباب هو الانحياز، وهو ميل النفس إلى وجهة نظر أو فكرة معينة ومخالفة ما سواها. يظهر هذا الانحياز في أنواع عدة: هناك نوع من الانحياز يسمى انحياز المرساة (نسبة لمرساة السفينة) ـ anchoring bias

هذا الانحياز يدعو الشخص للاعتماد على أول معلومة يتلقاها، وبذلك يبني كل قراراته نسبة لهذه المعلومة. لنأخذ الحادثة الإرهابية في إسطنبول على سبيل المثال. أول معلومة تلقاها الناس كانت أن الحادثة وقعت في ملهى ليلي، لذلك كثير من الناس اعتمد على هذه المعلومة لإطلاق أحكامه على الضحايا، إلى درجة تخلي البعض عن إنسانيته ورفضه إظهار أي تعاطف تجاههم.

وقد يعني هذه الانحياز أيضا اعتماد الشخص على معلومة واحدة فقط لتكوين وجهة نظره وإطلاق أحكامه على الناس، وتكون هذه المعلومة هي الأكثر جاذبية من الحدث كله. المعلومة بأن التفجير كان في ملهى ليلي لها وقع رنان ومقاربة للفضيحة لذلك رفض الكثير أي فكرة تخالفها وأي احتمال بأن مكان التفجير به مطعم فاخر أو بأنه يوفر إطلالة جميلة في ليلة رأس السنة.

للتعامل مع هذا الانحياز من المهم أن يكون الإنسان منفتحا لتقبل المعلومات الإضافية التي قد تخالف رأيه أو انطباعه الأول، وأن يبحث دائما عن الصورة كاملة بدلا من الحكم على أي موضوع من زاوية ضيقة.

هناك نوع آخر من الانحياز قد يكون سببا أيضا في المبالغة بإطلاق الأحكام على الناس وهو الانحياز التأكيدي ـ confirmation bias
هذا الانحياز يدعو الشخص للبحث عن المعلومات التي توافق أفكاره ومبادئه السابقة، ويتجاهل ويحارب أي معلومات تخالفها. هذا الانحياز يجر الشخص لتكوين صورة نمطية عن البعض فيبدأ بإطلاق أحكامه عليهم لاختلافهم معه في أفكاره ومبادئه.

إذا كان شخص على سبيل المثال يعارض فكرة ابتعاث المرأة للدراسة، سيستغل أي خبر عن أي مبتعثة لم تنجح في دراستها لإثبات فكرته المعارضة لابتعاث المرأة ولإطلاق أحكامه عن فسادها وفساد أهلها، وسيتجاهل بالمقابل كل الأخبار التي تتحدث عن إنجازات قامت بها مئات من المبتعثات الأخريات.

أحيانا قد يظهر هذا الانحياز لا شعوريا، لذلك قد يكون التعامل معه أصعب من غيره. نحن قد ننجذب بلا قصد للأخبار التي توافق وتساند أفكارنا، لكن المهم هو ألا يجرنا هذا الانحياز لإطلاق الأحكام على من يخالفنا في ثقافته، ودينه، أو تجاربه في الحياة.

لا أدعو في هذا المقال إلى المثالية، طبيعتنا البشرية تدعونا لتقييم أفعال الناس والنقاش في صحة هذا الفعل أو ذاك. كلنا لديه أفكار وقيم ومبادئ يعتقد بصحتها ويفضل أن يراها في غيره، لكن المشكلة هي عندما يأخذ هذا التقييم شكلا مختلفا وذلك بالحكم على الشخص نفسه لا على الفعل، أو عندما ينتقل التقييم إلى الإساءة للشخص وتشويه صورته بدلا من مناقشته في أفكاره. عندها فقط علينا مراجعة أنفسنا، وترك الحكم على الناس بالجنة أو النار لله وحده.

تم نشر هذا المقال في صحيفة مكة بتاريخ 30/01/2017

Advertisements

رد الجميل الى الله .. 

رد الجميل ..
الحج، اضافة لكونه تكليفا واجبا، هو فرصة لرد الجميل الى الله. فرصة لرد جميل عطائه ونعمائه علينا، فرصة لرد جميل رحمته وصبره على ذنوبنا، وفرصة لرد جميل إيقاظنا كل يوم من نومنا معطيا إيانا يوما جديدا وفرصة اخرى لاصلاح احوالنا.

مجرد التفكير للحظات بشريط حياتنا يشعرنا بالخجل. كم من مرة دفع الله فيها عنا البلاء، وكم من مرة استجاب لنا فيها الدعاء، وكم من مرة فرج همومنا ومنع عنا كل داء. 

نلح ونكثر من الدعاء في طلب حاجاتنا، ثم ننسى الله حال استجابته دعاءنا. نعيش حياتنا برخاء وصحة وعافية، ثم نقنط عند اول ابتلاء لنا. نكثر من الذنوب ونتمادى في المعاصي، ومع ذلك يرأف الله بنا وينتظر برحمة عودتنا وتوبتنا. 

عندما يسدي لك احد خدمة، تتمنى من كل قلبك ان تلقى الفرصة لترد له الجميل في يوم من الأيام. والحج هو أعظم فرصة لرد القليل من عظيم فضائل الله علينا.

الحمد لله على كتابته اسمي من حجاج بيته الحرام لهذا العام

٨/١٢/١٤٣٦

كم حلماً قتلت في حياتك؟

كم مرة خططت فيها لهدف ما ولم تكمله؟ تشترك في النادي، يغلب عليك الحماس لشهر أو شهرين ثم تتوقف عن الذهاب. تخطط لقراءة كتاب في كل شهر، وتمر ١٠ أشهر دون أن تكمل كتابًا واًحدا. كثيرة هي الأحلام والأهداف التي تُكتب على الورق وتموت في ريعان شبابها أو حتى قبل أن تبدأ. لماذا نفشل في استكمال أهدافنا؟ ما السبب وراء ضعف قوة إرادتنا أو قصر عمرها؟ لماذا يتميز بعضنا بقوة إرادة أكثر من غيره؟

بعض الدراسات تقول: إن قوة الإرادة تعتمد على مدى قدرتك على مقاومة ما حولك من محفزات عاطفية وهي مهارة يتميز بها بعض الأشخاص دون غيرهم وقد تظهر بوادر هذه المهارة عندهم منذ الصغر. في عام ١٩٦٠ ميلادي قام مجموعة من الباحثين بعمل تجربة لقياس قوة الإرادة عند مجموعة من الأطفال. قام الباحثون بإعطاء كل طفل حبة مارشملو واحدة، وأخبروهم أن بإمكانهم الحصول على حبة مارشملو ثانية في حال انتظروا بعض الوقت بشرط أن لا يأكلوا المارشملو الذي بحوزتهم. بعدها قاموا بمراقبة أفعال الأطفال ومدى قوة إرادتهم لتحقيق الهدف الأسمى وهو الحصول على حبة المارشملو الثانية. البعض انتظر ولم يأكل حبة المارشملو والبعض الآخر أكلها بمجرد خروج الباحث من الغرفة.

بعض الدراسات الأخرى تقول: إن قوة الإرادة ليست مهارة تولد مع الإنسان بل هي أشبه بعضلة من عضلاته، تضعف عند تجاهلها وتتعب عند استنزاف طاقتها وتنمو عند الاهتمام بها. قام مجموعه من الباحثين في عام ١٩٩٨ ميلادي بعمل تجربة لإثبات هذه الفرضية. بدأت التجربة بتقسيم المتطوعين لمجموعتين وقاموا بإعطاء كل مجموعة طبقًا من الكوكيز الساخنة وطبقًا آخر من الفجل. بعد ذلك طلبوا من المجموعة الأولى أكل بعض حبات الفجل وعدم لمس طبق الكوكيز، أما المجموعة الثانية طلبوا منها الأكل من طبق الكوكيز وعدم لمس طبق الفجل. المجموعة الثانية لم تجد أي مشكله بكل تأكيد بعمل ما طُلب منها أما المجموعة الأولى فقد كانوا تحت تحدٍّ أكبر، فليس من السهل مقاومة رائحة طبق الكوكيز الساخنة من أجل طبق من الفجل. على الرغم من الصعوبة التي واجهت المجموعة الأولى، إلا إن القسم الأول من التجربة انتهى بنجاح المجموعتين بعمل ما طُلب منهم. في الجزء الثاني من التجربة قام الباحثون بإعطاء كل مجموعه مسألة حسابية شبه مستحيلة الحل وأخبروهم بإمكانية انسحابهم في أي وقت. المجموعة التي طُلب منها أكل الكوكيز في الجزء الأول من التجربة حاولوا حل المسألة لمدة ١٩ دقيقة ثم انسحبوا، أما المجموعة التي أكلت الفجل لم يصبروا أكثر من دقيقتين ليعلنوا بعد ذلك انسحابهم وتذمرهم من التجربة كلها وأنها بلا فائدة تُذكر. السبب في ذلك هو أن المجموعة التي أكلت الفجل استنزفت طاقة أكبر في الجزء الأول من التجربة، ولذلك فقدوا الإرادة والإصرار لإكمال التجربة في جزئها الثاني.

التجربة الأخيرة أثبتت أن قوة الإرادة عند الإنسان مرنة إلى حد كبير، وهذا يفسر حماسنا لتحقيق أهدافنا في بدايتها لكننا لا نلبث أن ننساها بسبب استنزاف طاقتنا في أمور قد تكون ثانوية. كثيرة هي الأمثلة في حياتنا التي تتشابه مع نتائج التجربة السابقة. هدفك اليومي للذهاب للنادي يموت بسبب يوم سيّء في العمل، هدفك لإنقاص وزنك يتلاشى بسبب بعض التعليقات المحبطة، حلمك لافتتاح عملك الخاص بك تنساه يومًا بعد يوم وذلك لاستنزاف طاقتك في وظيفتك.

هناك تأثيرات كثيرة تؤثر سلبًا على قوة إرادة الانسان في تحقيقه لأهدافه، وهو أمر طبيعي جدًّا. لكن من المهم الإيمان أن قوة الإرادة، على الرغم من ضعفها في بعض الأحيان، ستنمو في حال وجدت التمرين المناسب. أحد الطرق لتنمية قوة الإرادة وتدريبها على الاستمرارية هو تفكيك الهدف أو الحلم طويل المدى إلى أهداف قصيرة يتم تحقيقها في زمن أقصر. غالبيتنا يستهلك جل طاقته في التركيز على أهداف طويلة المدى مما يستنزف قوة الإرادة لدينا ويجعلنا نتراجع عن استكمال أهدافنا، وذلك لعدم وجود نتائج ملموسة. التركيز على أهداف قصيرة المدى وتحقيق النجاحات فيها سيكون بمثابة التغذية والتمرين لقوة إرادتك وسيكون حجر الأساس لتحقيق باقي الأهداف. على سبيل المثال: بدل أن يكون هدفك الأولي هو إنزال وزنك بمقدار ١٥ كجم على مدى ٣ أشهر، اجعل هدفك الأولي الالتزام بالذهاب إلى النادي بمعدل ١٥ يوم في الشهر. بعد النجاح في تحقيق هذا الهدف يكون هدفك التالي هو إنزال وزنك بمعدل ٤ كجم في الشهر. وبالمثل، بدل التخطيط لقراءة كتاب أو كتابين في الشهر، خطط لقراءة ٢٠ صفحة في اليوم.

تنمية قوة الإرادة وتدريبها على هذا النمط سيحولها فيما بعد إلى عادة تستمر مع الإنسان على المدى الطويل وتساعده على تحقيق أهدافه. تجربة المارشملو التي تطرقت لها في بداية المقال حدثت في عام ١٩٦٠ ميلادي. على مدى ٥٠ سنة، قام الباحثون بمتابعة الأطفال المشاركين في التجربة لقياس مدى استمرارية قوة إرادتهم وتأثيرها على حياتهم. أثبتت نتائج هذه المتابعة أن من غَلَبَت قوة إرادته على عاطفته في التجربة استمر بتحقيق النجاحات في حياته الشخصية والعملية وحتى في اختبارات القبول بالجامعة. هذه التجربة تثبت أن النجاحات البسيطة هي المغذي الذي يعمل على استمرارية قوة الإرادة لتحقيق نجاحات أكبر.

مشكلتنا أننا نستنزف طاقتنا داخل هموم الحياة ومشاغلها لدرجة تنسينا أحلامنا. نكبر وتكبر أحلامنا معنا لكنها للأسف تشيب وتموت قبل أن نلقاها لأننا ببساطة قتلناها بضعف إرادتنا.

*تم نشر هذا المقال في صحيفة هافنغتون بوست الأمريكية بنسختها العربية بتاريخ 19/08/2015

مهتدى المزعل
@muhtada89

المصادر:
Duhigg, C. 2012. The Power of Habit

موريشيوس الأكثر سعادة ..

موريشيوس الأكثر سعادة ..

عند ذكر اسم جزيرة موريشيوس يخطر على بال الكثيرين صور طبيعة خلابة, كوخ صغير على واجهة البحر, أو ربما رفقة رومانسية على الشاطيء. اشتهرت جزيرة موريشيوس باختيارها وجهة لشهر العسل أو لقضاء اجازة قصيرة للهروب من هموم ومشاغل الحياة .. لكن ما لا يعرفه الكثيرون هو جمال ثقافة شعبها الذي يجاري سحر وجمال شواطئها.

رغم صغر مساحتها التي لا تتجاوز 2500 كيلومتر مربع, تتكون موريشيوس من خليط عرقي, وديني, وثقافي كبير وذلك لاختلاف أصول شعبها. يسكن هذه الجزيرة عدة طوائف من الافارقة, الهنود, الآسيويين, وحتى الاوروبيين الذين يتبعون ديانات مختلفة كالاسلام, المسيحية, الهندوسية والبوذية. ولك ان تتصور حجم الاختلافات الناتجة عن هذا الخليط من تباين في العادات او الطقوس العبادية أو حتى الاحتفالات وكل هذا في مساحة صغيرة نسبيا. ما يميز موريشيوس هو تعايش شعبها على الرغم من كل هذه الاختلافات التي تفرقهم ولذلك سأسلط الضوء في هذا المقال على نجاح تجربتهم وعن سبل الاستفادة منها في مجتمعنا.

قد تقول ان مجتمعنا فيه صور عدة تدل على التعايش كما أن التعايش موجود في أكثر من دولة في العالم, لماذا الحديث عن موريشيوس بالذات؟
السبب في ذلك هو ان التعايش الموجود في مجتمعنا هو تعايش بسيط وهامشي وقد يصل إلى درجة السلبية في كثير من الأحيان. أعني بالتعايش السلبي هنا هو أن اتعايش معك ظاهريا بعقد لقاءات حوارية تنادي للتعايش واللحمة الوطنية, ولكني أقضي معظم الوقت في سرد عيوبك وتربية أبنائي على الخوف والحذر منك بسبب فرضيات وتخمينات استقيتها من البيئة التي نشأت فيها. على النقيض من ذلك, تجربة موريشيوس تثبت أن هذه الجزيرة لم تتوقف وتركن عند خط التعايش هذا بل تجاوزته بمراحل. في موريشيوس هناك اعتقاد سائد بان اختلافاتهم الدينية والثقافية هي مصدر سعادة وفخر لا مصدر انقسام. هناك اعتقاد سائد بوجوب التكاتف للوصول لأهداف أسمى من النقاش حول غلاف كتاب أو حول أحقية أحد اجدادهم بزعامة القبيلة. هذه الدرجة من التعايش كانت احد اسباب حصولهم على لقب الدولة الأكثر سعادة في أفريقيا لعام 2012, بحسب التقرير العالمي للسعادة.

اذاً السؤال المهم هو كيف وصلت موريشيوس لهذه الدرجة من التعايش والسعادة وهل من الممكن تطبيق تجربتهم في مجتمعنا؟
أحد أسباب نجاحهم هو تطبيقهم لجزء من نظرية الباحث الاجتماعي ستيفن كوفي حول العادات السبع للناس الأكثر فاعلية. هذه النظرية تدعو الشخص للتطبع ببعض العادات ليصبح قادرا على الاعتماد على نفسه أولاً ثم تدعوه للانتقال من هذا الاكتفاء الذاتي إلى الترابط والتكاتف مع غيره ليصبح بذلك شخصا فاعلا في مجتمعه. هذه النظرية تحتاج مقالات عدة لشرحها ولكني سأركز على جزء منها والذي كان سببا لرقي موريشيوس الى هذه الدرجة من التعايش. يقول ستيفن أن الاختلافات بين الناس كبيرة بطبيعتها, لذلك الصراعات هي نتيجة متوقعه لهذه الاختلافات مما ينتج لنا مجتمع تنافسي كل فرد فيه يفكر بنفسه فقط, وإن لزم الحال سيتعايش مع غيره مرغما تحت مبدأ التعايش السلبي. يعتقد سيفن أن جوهر التعايش الحقيقي والعيش بسلام وسعادة في ظل هذه الاختلافات هو السعي أولا لفهم هذه الاختلافات على حقيقتها بعيدا عن أي تخمينات أو فرضيات سابقة ثم إعطاء هذه الاختلافات قيمة ومعنى, وهو ما سعت لتحقيقه موريشيوس.

الانسان بطبيعته عدو ما يجهل, لذلك تبنّت موريشيوس نظرية ستيفن كوفي وسعت لأن تعرف كل طائفة في مجتمعها عن ثقافات الطوائف الأخرى بطريقة ممنهجة وصحيحة وذلك بإدخال هذه الاختلافات الثقافية في المدارس كمادة تعليمية. لا يكبر الشخص في موريشيوس إلا وقد كوَن وعيا متكاملا عن ثقافة جاره, عاداته, وحتى طقوسه العبادية. هذا الوعي دعا الشعب لإعطاء قيمة ومعنى لاختلافاتهم, ودعا الحكومة لأن تجعل من كثير من المناسبات كعيد الفطر وغيرها من مناسبات واحتفالات الصينيين أو الهندوس عطلاً رسمية في البلاد لتتيح للجميع المشاركة بالفرحة.

الخلاصة: كل انسان لديه درجة من الفضول تحتاج للإشباع وهذا الفضول يزداد عندما يكون مرتبطا بطائفة تشاركك المجتمع. إذا لم يتم اشباع هذا الفضول بطرق مقننة وصحيحة سيسعى الانسان لإشباع فضوله من خلال ما يسمعه في “استراحة” أصدقائه او ربما من خلال ما يقرأه على وسائل التواصل الاجتماعي.

من هذا المنطلق, لن نتعدى حاجز التعايش السلبي ونصل لما وصلت إليه موريشيوس حتى نُشبع فضول مجتمعنا بإدخال اختلافاته الثقافية كمادة تعليمية في المدارس لتنفي أي فرضيات خاطئة تبناها المجتمع في السابق بسبب جهل أو تعصب. عندها فقط سنبني جيلاً واعياً, متسامحاً مع اختلافاته, وتغلب عليه مشاعر التقدير والاحترام بدل مشاعر الحذر والخوف من الآخر, موريشيوس أنموذجا. تجربة موريشيوس وسَّعت من معنى التعايش وأثبتت أن التعايش أكبر من مجرد حلول وقتية, كعقد ندوات أو حوارات, أو كالمطالبة بتعيين أحد أبناء طائفة معينة في مركز إداري مهم. التعايش هو إيمان داخلي تزرعه في نفوس أبنائك, وطريقة حياة.

مهتدى المزعل
١٦/٢/٢٠١٥
@Muhtada89

IMG_0017

اسم بنت هز مجتمع بأكمله ..

بحسب علماء الاجتماع فإن اي تغيير في المجتمع تتم مجابهته ومقاومته في بدايته. وبحسب الباحثة في علم النفس إليزابيث كوبلر فإن طبيعة الانسان مجبولة على الاطمئنان ورفض التغيير وعند مصادفته لأي تغيير في حياته سيدخل لا إراديا في سلسلة من ردات الفعل تبدأ بالصدمة و الرفض، الغضب، التفاوض، الاحباط، ثم القبول في النهاية.
إذاً محاربة التغيير هي ظاهرة طبيعية في اغلب المجتمعات، لكن ما يعاب على مجتمعنا هو البطء في الانتقال من ردة فعل الى أخرى والمبالغة في الرفض بمواضيع أعتبرها ساذجة.

التغيير الكبير الذي طرأ على مجتمعي مؤخراً وجعله في حالة شد وجذب هو كتابتي لاسم زوجتي (غدير) في دعوة الزواج. اهتز كيان المجتمع والاغلبية رفضت هذا الأمر إما لدواعي “العرف” واحترام طقوس وعادات بالية ما أنزل الله بها من سلطان او حتى بدافع السخرية وان ذكر الاسم ماهو إلا فعل تغريبي منفتح و مقدمة لنشر صورة البنت في الستقبل!

لأننا مجتمع محافظ ونحرص على إرجاع أي أمر إلى الدين سأبدأ بتحليل ديني بسيط.
سؤالي لكل من يتشدق بالدِّين في المجتمع ويجعله مرجعه الأساس في كل شيء، لماذا لم ترجع الامر كعادتك للدين ولفعل النبي عليه الصلاة والسلام قبل ان ترجعه لعادات مجتمعك؟
هل ذكر في أي من الروايات ان النبي صلى الله عليه وآله تزوج من “كريمة” خويلد بدلا من ذكر اسم خديجة عليها السلام؟
ام كان الامام علي عليه السلام يخجل من ذكر اسم فاطمة عليها السلام على الملأ؟
في الجاهلية نتج وأد البنات لخجل الناس من الأنثى وكانوا يعتبرونها عاراً عليهم. المحزن في الموضوع ان اكثر من ١٤٠٠ سنة مرت ولم يتغير حالنا. فشحنة الغضب والانتقاد التي انتشرت ما أن كتبت اسم زوجتي اثبتت ان الأنثى في نظر الكثيرين لازالت مدعى للخجل، لكنهم لم يكتفوا بوأد اسماء بناتهم فحسب، بل قاموا أيضاً بالمطالبة بوأد أسماء بنات غيرهم.

لأن إرجاعهم هذا الامر للدين لا يخدم حجتهم، قاموا بإرجاع الأمر الى “العرف” وعادات المجتمع التي يجب ان تُحترم وأن ذكر اسم الزوجة هو مخالف لما ما وجدوا عليه آبائهم الأولين.
للأسف اصبح مصطلح العرف شماعةً لكل شيء وحجةً لمن لا حجة له لأنه مصطلح فضفاض، ويحتمل اكثر من تفسير. العرف له اكثر من معنى في اللغة، لكن المعنى الدارج في مجتمعنا هو العادة التي ألِفها المجتمع واعتاد عليها. وبرأي الشرع يكون هذا العرف مُلزما اذا ترتب على مخالفته اضرارا للمجتمع فقط. فمن غير المعقول ان تكون كل عادة دارجة في المجتمع مُلزمة ومحرم تغييرها وإلا أصبحنا مجتمعا ديدنه التقليد والتلقين.
في الواقع، إخفاء هوية البنت ليست عرفاً في مجتمعنا أصلا لكي نأمر الناس بالالتزام به فما اكثر الفنانات المنشورة رسوماتهن في المعارض والشوارع بأسمائهن وما اكثر المبتعثات اللاتي تذكر الأخبار انجازاتهن بأسمائهن. لكن لو فرضنا جدلاً ان اخفاء هوية البنت هو العرف السائد في محيطك الضيق الذي تعيش فيه، وأنك لم تَرَى اسم بنت من قبل في حياتك، أين الضرر الحقيقي الناتج على المجتمع من ذكر اسم بنت بيوم فرحها؟ الا تخجل من نفسك وانت تنتقد كتابة اسم بنت بيوم زواجها ولا تمانع ان يُكتب اسمها على قبرها وينادى به على المنابر بيوم وفاتها؟

البعض الآخر رفض الأمر بحجة عدم وجود هدف من كتابة اسم الزوجة وإني فقط اريد تحدي المجتمع. لكن كل شخص عاقل كان من الأجدى ان يسأل نفسه عن الهدف من اخفاء اسمها تحت مسمى “كريمة فلان”. خجل ام عار؟
المسألة ليست تحدي للمجتمع او تحدي لطقوسه وعاداته البالية التي تعتبر اسم البنت نكرة. المسألة هي مسألة قناعة شخصية. قناعة شخصية بأني لم اجد مبرراً من إخفاء هوية من تشاركني فرحي. اسم الزوجة ليس عارا ولا عيبا لأخجل منه بل شرف لي ان أُسمى باسمها وأُنسب إليها كما كان يفخر نبينا عليه الصلاة والسلام بأنه زوج خديجة.

في الحقيقة لم اكن أتوقع هكذا ردة فعل. كنت اعتقد ان مجتمعنا نضج فكرياً عن الخوض في هكذا سجالات، لكن على الرغم من هذا كله، لو اخبروني مسبقاً بموجة الغضب والانتقاد والسخرية التي ستحدث نتيجة ذكر اسم زوجتي لكررت الفعل. فالحياة أقصر من ان أعيشها مخالفاً لقناعاتي ومتبعاً لضوابط مجتمع ما أنزل الله بها من سلطان.
يقول الباحث الاجتماعي ابن خلدون “اتباع التقاليد لا يعني ان الأموات أحياء، بل أن الأحياء أموات” والمجتمع الذي يخجل من اسم بنت ويعتبرها نكرة يتم تعريفها باسم والدها فقط هو مجتمع ميت، ومثير للشفقة.

* في مدونتي وفي بعض مقالاتي التي نُشرَت في جريدة الحياة احاول حل بعض المشاكل والأفكار في المجتمع، وهذه من أسخف المشاكل التي واجهتها

مهتدى المزعل
٢٩/١/٢٠١٥

2015/01/img_1936.jpg

I’m already happy .. So why get married?

After you graduate & start working, everyone around you seem to have no subject to discuss or talk to you about except marriage. You are settled, you have a job & can afford opening a new house, so what’s stopping you?

I believe that you need to have a reason for any decision you make in life, especially when it comes to life-changing decisions. So I asked: I’m already happy .. why get married?
No matter how many people I have asked, I always tend to have the same answer: this is life you know, you get married, have kids, & get on with your new life.

I tried to make sense of that answer but I couldn’t. I tried to picture my life like that but I struggled. Marriage should have a reason that’s more sacred. One’s life must matter beyond bringing dozen of kids & paying the bills. Marriage should mean more than that.

I struggled to find a meaningful answer for long, & I was happy with the road I have chosen in my life. I was driving there independently with nothing to worry about, passing by Europe, the US, & even Australia. That’s why I was reluctant to change & so I asked again: why get married?

After a while I came to realise that I was looking at life from a single angle. Life is more than a single road. Life is a journey. A journey with multiple roads that should take you eventually towards your goals, dreams & achievements. Being single is one road & getting married is a whole another road. The trick is knowing your goals first & then you will be able to know when you need to switch roads.
You don’t move on to another road unless you’ve achieved what you want in that first road. If you moved on too fast you will always be hooked to that old road & you would want to go back at one point or another in your life. Similarly, if you stayed in the same road for too long to the point where you no longer achieve any more goals you will be like running on a treadmill, getting tired but without really getting anywhere.

I was happy in my single life, no doubt about that. But after a while I revisited my goals & dreams & discovered a whole new untapped world. I discovered that my dreams wouldn’t mean as much if I have followed them alone in that old road. Something was definitely missing. In a nutshell, don’t get married for the sake of marriage or for the sake of your society. Revisit your goals & find your reasons.

I’m getting married in less than 2 months, & I have never been this happy. Thanks to the one and only. Thanks to Ghadeer

Muhtada
12/11/2014

لماذا لا نحب النظام؟

كلنا شهد الفوضى التي عمت الأسواق في رمضان والمنافسة للحصول على عبوة تانج أو زجاجة فيمتو, فوضى تتكرر في رمضان وفي كل موسم تخفيضات. مشهد يدعو للأسى على حالنا ويجعلك تتسائل عما اوصلنا لهذه الدرجة من الهمجية. هل مشكلتنا في اتباع النظام سببها حالات فردية أم هل هي ظاهرة عامة في مجتمعنا؟ هل الاخلال بالنظام في الأسواق والشوارع مشكلة عامة حتى في البلدان الغربية أم هي فقط جين سائد عندنا نحن السعوديين و نتوارثه جيلا بعد جيل؟

يهدف هذا المقال لتحليل ظاهرة الهمجية في بعض تعاملاتنا وتحليل سلوكنا الغير حضاري سواءً في رمضان, في الدوائر الحكومية, أو حتى في الشوارع ويهدف لإيجاد بعض الحلول الممكنة.

قبل البدأ في البحث في أسباب هذه الظاهرة, من المهم الإشارة أنها ليست حكرا علينا كسعوديين فقط. هذه الهمجية تبرز في أمريكا ايضا – على الأقل موسميا – في ما يعرف بيوم “بلاك فرايدي”. هذا اليوم يقع بعد عيد الشكر مباشرة في نوفمبر من كل سنة وتُعرض فيه السلع بأسعار مخفضة. في هذا اليوم يصطف الناس منذ ساعات الفجر الأولى أملا في أسبقية الدخول لضمان الحصول على أفضل العروض قبل نفاذها وتشتعل الفوضى ما أن تفتح المحلات أبوابها.

في نظري هناك سببان رئيسان لسلوك الناس الغير حضاري وعدم احترامهم للنظام بين حين وآخر:

السبب الأول هو البيئة التي تحيط بنا بما فيها من عوامل كثيرة تحفز على هذا السلوك. أحد هذه العوامل البيئية هو سوء التنظيم في المكان نفسه, وسأذكر عدة أمثلة لإيضاح هذه الفكرة

هناك دراسة أجريت على سلوك المتسوقين في يوم “بلاك فرايدي” ووجدت ان سبب كبير للفوضى هو عدم وجود عدد كاف من الموظفين لتتنظيم هذا العدد الهائل من الزبائن. هذا العدد القليل من الموظفين تسبب في خدمة سيئة للعملاء و صفوف طويلة للدفع مما أدى في نهاية المطاف إلى الفوضى.

مثال آخر من الممكن رؤيته على جسر الملك فهد. عدم فتح منافذ كافية, أوالبيروقراطية المتبعة في اجراءات الدخول تزيد من حجم الصفوف وتكدس الناس مما يؤدي لفوضى لا مفر منها.

هذا التفسير يبين ان جزء من هذه الظاهرة الغير حضارية التي نعاني منها في مجتمعنا هو سوء التنظيم في البيئة نفسها والذي يقع على عاتق المسؤول سواء في السوق, أو أي مكان آخر

السبب الثاني لهذا السلوك الغير حضاري يدور حول الشخص نفسه. هناك دراسة تقول ان نزعة العنف والهمجية تزداد لدى الانسان عند شعوره بالإحباط. يُقصد بالإحباط هنا هو ذلك الشعور الذي يصيب الانسان عند فشله في الوصول لما خطط له من أهداف.

ولإيضاح هذه الفكرة ذركت الدراسة مثالا لسلوك بعض المتسوقين في يوم “بلاك فرايدي”, البعض يذهب للسوق لشراء غرض محدد ككاميرا رقمية مثلا لكن انتظاره في الصف لفترة طويلة او نفاذ العرض المعلن عنه يتسبب له بالاحباط مما يؤجج نزعة العنف عنده في تعاملاته.

مثال أخر لشخص يخرج من بيته أملا في الوصول الى البحرين في غضون ساعتين, لكن انتظاره على الجسر ل 3 او 4 ساعات ينمي شعور الاحباط عنده لفشله في الوصول لما خطط له, ينفذ صبره ويبدأ بمحاولة تخطي الصفوف بطريقة غير نظامية. في غضون لحظات تنتقل عدوى هذا السلوك للآخرين مما يؤدي لفوضى يصعب التحكم بها.

إضافة لمشاعر الاحباط التي تؤدي بنهاية المطاف للاخلال بالنظام, تبرز أيضا مشاعرالنرجسية والفوقية لدى البعض. دائما هناك ذلك الشخص الذي يشعرك أن العالم يدور حوله وهو الوحيد من لديه أمر طارئ يجبره على التعدي على النظام سواءا في الشوارع, السوق, او حتى في صف للفوال. هؤلاء يجدون المتعة في كسر النظام, يتباهون بسرد بطولاتهم في التقدم على الناس في الصف, ويسخرون منك لاتباعك أبسط الأنظمة كربطك حزام الأمان.

بعد تفصيل بعض الاسباب للسلوك الغير نظامي في مجتمعنا, سأذكر الآن بعض الحلول الممكنة:

كما ذكر هذا المقال, جزء من المشكلة ناتج من البيئة نفسها من سوء في التنظيم أو سوء في التعامل من القائمين أو المسؤولين عن المكان, لذلك من السهل توجيه اللوم عليهم ومطالبتهم بإصلاح هذه الفوضى. لكن فشلهم في أداء مهمتهم لا يخلينا من المسؤولية, ونجاحهم في احتواء الفوضى في مكان معين لن يقضي على المشكلة ككل.

لذلك الحل الأمثل أن نفكر في إصلاح سلوك الشخص نفسه. عند السفر تجد السعودي ملتزم كغيره بالنظام, مما يدل على ان مشكلتنا الرئيسية ليست بالضرورة جهلا أو ثقافة.نحن نتبع النظام في الخارج إما بسبب تربيتنا, أو لوجود قانون يردع المخالف, أو لأن اخلالنا بالنظام سيجعلنا نظهر شاذين عن باقي المجتمع. لذلك وبنفس المنطلق سلوكنا الغير نظامي في مجتمعنا سيستمر ما لم نرى أن المخل بالنظام شاذا عن المجتمع. العذر لكثير من الخالفين للنظام بأنه ليس الوحيد والجميع يشاركه هذا السلوك في مجتمعنا, لذلك لماذا يتغير؟

الحقيقة لا شيء سيتغير حتى نؤمن بمدأ التأثير التراكمي, وذلك بأن نؤمن ان سلوكنا الفردي في اتباعنا للنظام سينتج عنه سلوك جماعي تدريجيا. عندها فقط يحق لنا ان نحلم بمجتمع نظامي في كل تعاملاته .. ولو بعد حين

*تم نشر هذا المقال في جريدة الحياة بتاريخ 27/09/2014

مهتدى المزعل