مجتمع الفكرة الواحدة ..

مجتمعنا إقصائي, بشكل مخيف. يؤمن بوجود رأي صائب واحد لا يقبل أن تخالفه ومخالفته تضعك تحت قفص الاتهام.مجتمع يضج بالتصنيفات. مذهبيا هناك السني والشيعي, اجتماعيا هناك  المثقف والمحافظ, فكريا انت اما اسلامي او لبرالي.

ظاهرة التصنيف ليست هي المشكلة بحد ذاتها والمشكلة ليست في الاختلاف الفكري أو المذهبي, بل في تعاملنا مع هذا الاختلاف. في مجتمعنا تربينا على نقض التعددية ورفض الآخر. في عقل كل واحد منا مجموعة صناديق فيها احكام مسبقة لذاك “الشيعي” وذاك “السني”. كلمة شيعي قد تكون مرادفة لكلمة زنديق عند بعض السنة. وكلمة سني قد تعني ان صاحبها لا يدخل الجنة عند بعض الشيعة! أحكام مسبقة خلفت الكثير من الحواجز, وصدامات كثيرة, جعلت من التعايش مسئلة شبه مستحيلة. نعم .. شبه مستحيلة والسبب هو تأصل مبدأ الفكرة الواحدة في مجتمعنا, وان أي رأي أو فكر له جانب صائب واحد فقط. طبيعة الانسان ستحتم عليه رفض مبدأ التعايش – حتى وإن أظهر قبوله به –  طالما عقله الباطن يوهمه بامتلاكه للحقيقة المطلقة وأن من يخالفه في المذهب, أو الفكر هو جاهل, مخطأ, ملحد أو زنديق!

ما السبب الرئيسي الذي أدى لتفشي هذه المشكلة؟ هل المشكلة في أفراد المجتمع؟ في المنظومة الاجتماعية كاملة؟ أم في السلطة السياسية؟

 المجتمع بكامل مكوناته ساهم بشكل كبير في انشاء بيئة متشددة ومنحازة لمبدأ الفكرة الواحدة, وما الفرد إلا ضحية لهذه البيئة. الخطاب الديني له دور في ذلك حيث نرى أن الوجه السائد في نظام الوعظ لدينا هو مهاجمة الرأي الآخر و تأسيس لثقافة الرفض والتجريم لأي فكرة مخالفة, مما أدى لنشوء جيل متشدد, أحادي النظرة ويرفض الاختلاف. النظام المدرسي من جهة ثانية أيضا ساهم في نشوء هذه المشكلة وذلك لافتقار مدارسنا لصفوف الحوار والمناقشات مما ألغى فكرة التعددية من قاموس الطلاب و جعل من ثقافة الفكرة الواحدة هي السائدة.

البعض قد يحمل السلطة السياسية جزء من المسؤولية بسبب عدم وجود قانون يجرم التعدي على معتقدات الآخر أو يجرم حملات التكفير ضد كتاب الرأي أو ضد أي فكرة “دخيلة” على المجتمع. عدم وجود مثل هذه القوانين أعطى مجال لحرية غير مسؤولة وتناحر علني وعزز من مبدأ رفض الآخر. لكن هل القانون سيقضي على المشكلة؟ لا أعتقد ذلك. القانون سيخفف فقط من السخط العلني ولن يتعامل مع جذر المشكلة, و قد يكون له تأثير سلبي بتكوين مجتمع منافق ظاهره متعايش, وباطنه يضج بالكراهية والتناحر.

إذا ما الحل؟

الحل هو أن نبدأ أنا وأنت بالتغيير. بأن نعيد صياغة معنى التعايش. لا أن نتعايش باختلافاتنا, بل أن نتعايش بنسيان أننا مختلفين (فكريا أو مذهبيا) من الأساس. اعتبر من تحاوره يحمل أفكاراً مختلفة, لا فكراً مختلفاً. هذا سيبعدك عن دائرة التصنيفات و الأحكام المسبقة. انظر لأي فكرة تخالفك كقطعة شوكولاته داكنة. جربها. إن وجدتها مرة, فلا أحد سيجبرك على إكمالها. لكن لماذا تكره من يأكلها؟  وبماذا سيضرك إن أُعجب بها غيرك؟

سنحقق هذا التعايش عندما نؤمن بتعددية الأفكار و ننبذ ثقافة الخطأ والصواب. يقول سقراط “لا أحد يخطئ متعمدا”. لذلك وصولنا لدرجة الاطمئنان في أفكارنا لا يعني بالضرورة  أن من خالفنا قد جانب الصواب. ولا يعني بالضرورة امتلاكنا للحقيقة المطلقة. فكما لأفكارنا دلالات أوصلتنا لدرجة اليقين بصحتها, لغيرنا دلالاته التي أوصلته لليقين والاطمئنان.

وكما يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه:  “لك طريقتك ولي طريقتي. أما عن الطريقة الصحيحة، والطريقة المثلى، والوحيدة فلا وجود لها”

مهتدى المزعل

16/02/2012

Advertisements