أنت إنسان .. فاسد!

الجميع يطمح إلى تكوين مجتمع مثالي, يضمن العدل والمساواة لكل أطياف المجتمع, و لا يتخلله أي فساد أو ظلم. على الرغم من اتفاق الجميع – أو الأغلبية – على هذا الطموح, لا تزال مجتمعات العالم تضج بالفساد (باختلاف درجاته من مجتمع إلى آخر). إذا أين يكمن الخلل؟

الدراسات الاجتماعية فسرت ظاهرة الفساد أو الظلم عموماً بأنها متصلة بطبيعة النفس البشرية. من طبيعة الانسان أن يظلم إذا لم يجد ما يمنعه من الظلم جدياً. حتى الظالم قد لا يرى أفعاله ظلماً إما بسبب رؤيته لأفعاله من منظور مصلحته الشخصية, أو لأن من حوله يبارك له في أفعاله ولا يبين له أن فيها ظلماً لغيره. لذلك يمكننا القول أن طبيعة الانسان السعودي لا تختلف عن طبيعة الانسان الأوروبي مثلاً. أي شخص قد تسيره و تتغلب عليه مطامعه الشخصية في فترة من فترات حياته وتجعله يظلم غيره. لكن السؤال, ما الذي جعل الفساد متفشي في مجتمعنا السعودي, وجعله يتواجد بنسب أقل في دول أوروبا؟

أعتقد أن التفسير الأقرب لصلاح أخلاق الانسان الأوروبي أو لقلة نسبة فساده هو شعوره المستمر بالخوف من مراقبة من حوله له. من طبيعة الانسان أن يراقب تصرفاته ويكون حذر من أن يظلم غيره اذا شعر بوجود من يراقب تصرفاته على الدوام. هناك تجربة قام بها الفيلسوف الانجليزي جيرمي بينثام في أحد السجون الانجليزية قديماً تُعرف بـ “البنابتيكون” تساند هذا التفسير. الفيلسوف الانجليزي صمم بناء هندسي لأحد السجون يكون فيه برج المراقبة محاط بزجاج عاكس يجعل من المستحيل معرفة وجود الحارس في برج المراقبة أم لا. هذا التصميم يهدف إلى إشعار السجناء بأنهم تحت المراقبة على الدوام – حتى في ظل عدم وجود من يراقبهم أصلا-. أثبتت التجربة أن السجين يؤدب نفسه بنفسه وذلك لعدم معرفته بوقت وجود الحارس في برج المراقبة.

هذه التجربة متأصلة في أنظمة المجتمع الأوروبي. الشعب, الصحافة والإعلام بشكل عام كلها عوامل تحل محل “البنابتيكون”. الانسان في أوروبا يضطر لأن يتعامل بشفافية وأن يعمل بضمير صادق ليس لأن أخلاقياته أفضل من أخلاقيات الانسان السعودي, لكن لشعوره بأنه تحت مراقبة الشعب على الدوام.

في مجتمعنا نفتقر لنظام مراقبة يعمل بهذه الطريقة, بل على العكس بعض أنظمتنا تعاكس عمل “البنابتيكون” و تحفز على الفساد بطريقة غير مباشرة. العلم بوقت زيارة المسؤول لشوارع المدينة على سبيل المثال يزيل رهبة الخوف من مراقبة المسؤول, و يزيل الاحساس بالمسؤولية الدائمة تجاه عملنا, وبذلك يعطينا الوقت الكافي لتغطية ما اقترفته أيدينا من فساد. في مجتمعنا عامل “الخوف من الله” هو البنابتيكون الوحيد لدينا. نحن نشعر بمراقبة الله لنا على الدوام لكن للأسف هذا العامل لم يثبت نجاعته في إيقاف الفساد لدينا لأن أثره العكسي غير محسوس, و قد لا يؤثر إلا في من وصل إلى كمال الإيمان. لذلك, قد يكون من المستحيل القضاء على فساد الانسان بشكل تام, لكن إعطائه إشارة بأنه تحت مراقبة مستمرة سيقلل من نسبة فساده بشكل كبير كما هو الحال في المجتمع الأوروبي.

و كما يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو ” الخضوع يولد من علاقة وهمية. الشخص الذي يشعر بأنه تحت المراقبة, سيتأدب بشكل عفوي و تلقائي”

مهتدى المزعل

30/03/2012

للاطلاع أكثر على تجربة البنابتيكون:

http://en.wikipedia.org/wiki/Panopticon

Advertisements

إلى أمي ..

يا وردةَ القَلبِ يا ريحَانةَ الروحِ التي .. نثَرَت شذاهَا في سمَا أكواني

 

يا جنَةَ الفردوسِ يا مَن جاهَدَت .. طولَ السنينِ لـ تصيرَ لي سكناً منَ الأهوالِ

 

أحببتُكِ دونَ النِساءِ لأنَكِ .. أسقيتِني طعمَ السعَادةِ والسرورِ مذ نمَت أظفارِي

 

كنتِ لا بل لا زِلتِ لي وطَناً .. أحنو إليهِ بِشوق ٍ طولَ أيام اغترابي وأسفاري

 

العُذرُ يا أُمِي على ما كنتُ مقترفاً .. بحَقِكِ واعلمي أنَ رضاكِ هو الرَجاءُ ومُنتهى آمالي

 

وها أنا اليوم أنحني خَجلاً ومعترفاً .. بِتقصيري فلا اليوم عيدُكِ لا بل أنتِ عيدي في كُلِ أيامي

===============

أمي ..

يا جنَة الأرضين و الأكوان وكل المجرَات

يا أجملَ ما وهبَ لي ربُ السماوات

انتِ نبع الحب .. ملاك الكون وجميلة الجميلات

انتِ عشقي الأول .. لتعذرني حبيبتي .. فـ ما الجنة الا تحتَ اقدامِ الأمَهات  

كم أتعبني الفراق

سفرٌ وغربةٌ و اشتياق

ذكراكِ هي ما تسعدني في الصباحِ وفي المساء

همس صوتكِ و ابتسامتكِ  .. هي أجملُ ما أحملُ من ذكريَات

لكنَني أحياناً .. أكره نفسي .. أحتقرها .. و أشعرُ بالإستياء

فـ لم أقدر جمال روحكِ حتى حان وقت البعد و الاغتراب

تقصيري في حقكِ يؤلمني .. و نفسي تؤنبني ..

 سامحيني .. ولا تحرميني من الدعاء

 أحبكِ ..

مهتدى المزعل

21/03/2012

هل ستتناول الكعك .. أم ستستمر في أكل الحلوى؟

بلغ سن الرشد ..

هناك محاولات مستميته  ممن حوله لإقناعه بتناول الكعك ..

الجميع يردد نفس الجملة  “لديك المال اللازم, ماذا تنتظر؟”

لكن .. هل المال كل شيء؟

 تعوَد على أكل الحلوى لأكثر من 20 سنة .. فأصبحت مجرد فكرة التغيير لـ نمط حياته تخيفه ..

حاولوا إزالة خوفه بإخباره بـ جمال شكل الكعكة ولونها ..

 أخبروه بأن الجميع يتحدث عن مذاقها .. وأنها سـ تكون – حسب رؤيتهم –  مصدر سعادته ..

لذلك .. عليه أن يتحلى بالإيمان – كما يقولون –  ويثق في اختيارهم ..

كانت محاولة بائسة .. ما زالت هذه الخطوة تخيفه ..

هو يؤمن باختلاف الأذواق .. ما يرونه مناسباً ليس بالضرورة أن يناسبه ..

سيدفع كل ما يملك من أجل هذه الكعكة .. سـ يتناولها وحده .. لذلك ليس هناك مجال للخطأ .. وحده سـ يتحمل تبعات قراره ..

حاولوا إقناعه بطريقة أخرى .. أخبروه بإمكانية ذهابه لـ محل الكعك – مرة واحدة –  ورؤية الكعكة بنفسه ..

“سنراقبك من بعيد, انظر للكعكة, وإن كنت محظوظا سيسمح لك صاحب المحل بنظرة مطوَلة, لكن تحت ناظريه بكل تأكيد”

هكذا قالوا له ..

أصبح في حيرة من أمره .. هي نظرة واحدة فقط .. سـ تحدد مصير حياته ..

متوقع منه في دقائق معدودة أن يكون سريع البديهة .. أن يخمِن مذاق الكعكة  ويتخذ قراره بناءً على شكلها الخارجي ..

الجدير بالذكر أن رفضه للشراء في هذه النقطة قد يؤدي لغضب صاحب المحل .. و ربما احتقار مجتمعه له .. مما زاد من مخاوفه ..

سيتناول هذه الكعكة كل يوم في حياته ..  لذلك كان يتسائل .. هل الشكل الخارجي كل شيء؟

من ماذا تتكون؟ كيف تم صنعها؟ أليس من الممكن أن بعض مقاديرها قد تسبب له الحساسية؟ ..

مجتمعه يضج بحالات “التسمم” .. لذلك لا يريد ان يترك المسألة للصدفة ..

ثم استطرد في التساؤل ..

ماذا عن الكعكة؟ أليس من حقها معرفة المزيد عمن سيتناولها؟ عن طريقة أكله و تقطيعه لها .. هل ستؤلمها؟ هل تناسبها؟

تم اتهامه بالجنون .. في مجتمعه الكعكة هي مجرد سلعة لا يحق لها معرفة الزبون عن قرب حتى يدفع المبلغ كاملاً ..

أخبرني قصته وهو لا يزال حائراً في أمره ..

هو يبرر مخاوفه من هذه الخطوة بأنه يعتبرها مغامرة .. ويعتقد أن التغاضي عن مثل هذه المخاوف قد تؤدي لعزوف الكثير عن تناول الكعك وتكدسه في المحلات .. وأن استمرار معاملتنا للكعكة بأنها مجرد سلعة أهم ما فيها هو مظهرها الخارجي قد يزيد من حالات “التسمم” ..  

لكن على النقيض من ذلك كله .. هناك من يسخر من طريقة تفكيره .. يتهمه بتجاوز الحدود المتعارف عليها .. و يعتبر مخاوفه بأنها مجرد دلالات على ضعف في إيمانه ..  

 

 

 

مهتدى المزعل

 16/03/2012

    

 

مجتمعنا والخوف من التغيير

التغيير عامل رئيسي ومتلازم لحركة المجتمعات. مع التطور المستمر, أصبح التغيير حاجة  ملحة لمواكبة احتياجات العصر والقبول والتسليم بـ الوضع المعيشي للآباء والأجداد لم يعد يلبي احتياجات أبناء المجتمع الحالي. أقصد بالتغيير هنا الانتقال العام من حال إلى حال, على كافة الأصعدة سواء اجتماعيا, سياسياً  أو حتى شخصياً.

في مجتمعنا التغيير دائماً محارب. تطالب به فئة وترى فيه صلاح المجتمع وتحاربه أخرى وترى فيه انفتاح غير مقبول وفتنة, وخراب للشعب. على الصعيد الاجتماعي, أمثلة كثيرة أثبتت خوف مجتمعنا من التغيير, من بداية رفض التعليم للبنات في عهد الملك فيصل إلى مسألة رفض قيادة المرأة في المجتمع الحالي. على الصعيد الشخصي, التغيير أيضا محارب. مجرد تغير تفكير الشخص على سبيل المثال أو الايمان بقيم لم يربيه عليها مجتمعه ستضعه تحت طائلة الرفض من مجتمعه وربما عائلته.

هل هذه المشكلة (الرفض المستمر لأي تغيير) مرتبطة بمجتمعنا فقط ؟ أم هل هي ظاهرة اجتماعية طبيعية؟

بالاعتماد على نظرية كوبلر في التعامل مع التغيير, تنبه علماء الاجتماع على ان “محاربة  ورفض التغيير” ظاهرة اجتماعية وليست مجرد حالات شخصية. تم الاعتماد على هذه النظرية في تفسير ردات فعل الانسان عند مواجهته لأي تغيير سواء في وظيفته, صحته, أو حياته بشكل عام. تقول النظرية أن طبيعة الانسان مجبولة على الاطمئنان ورفض التغيير, و عند مصادفة الانسان لأي تغيير في حياته سيدخل – لا اراديا –  في سلسلة من ردات الفعل وهي كالآتي:

  1. الصدمة: ردة الفعل الطبيعية هوشعور الانسان بعدم الاتصال لما حدث من تغيير حوله, وذلك قد يكون لمخالفته لقناعاته المسبقة.

  2. الرفض: بعدها يبدأ الانسان برفض التغيير جملة وتفصيلا. تختلف طرق الرفض من شخص إلى آخر, فهو قد يرفض بصمت, وقد يبدأ بحملة تهويل وتخويف لمن حوله بالإشارة إلى خطر التغيير وما قد يسببه من “فتنة” غير مرغوب فيها.

  3. القبول: هنا يبدأ الانسان بالتسليم بما حدث من تغيير وذلك قد يكون بعد رؤيته لنجاح ما حدث من تغيير حوله وبعد فشل حملته المعارضة في اقناع الناس للعدول عن التغيير.

  4. التكيف والمساندة: ردة الفعل الأخيرة هي الاقتناع بما حدث من تغيير ومساندته.

قد يأخذ الانسان عدة أشهر ليصل لمرحلة الاقتناع وقد يأخذ مجرد لحظات وقد لا يصل أيضاً. الخلاصة أن الخوف و محاربة التغيير ليست خصوصية سعودية. لكن قد يُعاب على الانسان في مجتمعنا البطء في الانتقال من ردة فعل الى أخرى والمبالغة في الرفض. نقضي معظم الوقت في رفض أي تغيير وذلك إما بسبب خوفنا مما قد يسببه من خسارة لنا على الصعيد الشخصي, أو بسبب تمسكنا بعادات وتقاليد تم ربطها بالدين قسراً. ومن هنا تبدأ حملات الرفض بإيهام الآخر بنظرية المؤامرة, حيث يفاتح الابن أباه بأفكار جديدة قد تخالف قناعاته, فيرفضها ويبدأ في لوم عوامل خارجية كـ الجيران و “أصحاب السوء” وإيهام الابن بخطرهم وأنهم يتربصون به.

الحل المثالي لنجاح التغيير وصلاح المجتمع هو إقناع الآخر (المعارض للتغيير) بأهمية التغيير للمصلحة العامة و وجوب التضحية ولو بالقليل من مصلحته الشخصية. لكن عمليا لا يمكن تطبيق هذا الحل وذلك لطبيعة النفس البشرية التي سترفض أي تغيير قد يهدد مكانتها الشخصية مهما حاولت في الوعظ والنصح. الحل السياسي قد يساعد في اقناع الناس بالتغيير. أقرب مثال لذلك  قرار دخول المرأة في مجلس الشورى. مشاركة المرأة في الشورى تحولت من رفض مجتمعي الى قبول وترحيب بعد صدور القرار من السلطات العليا. لكن يبقى الحل الأمثل والأهم برأيي هو التحرر من بعض العادات والتقاليد التي بسببها بقي مجتمعنا متأخرًا عن باقي المجتمعات. عادات وتقاليد مجتمعنا تستمر في رسم خطوط حمراء لنا, توهمنا بأنها من الدين, و تعرقل أي حركة للتغيير بحجة “عرف المجتمع”. هذه العادات والتقاليد هي سبب ركود المجتمع وهي سبب مبالغتنا في رفض أي تغيير.

وكما يقول ابن خلدون: ” اتباع التقاليد لا يعني أن الأموات أحياء, بل أن الأحياء أموات”

مهتدى المزعل

02/03/2012

للاطلاع على نظرية كوبلر:

http://en.wikipedia.org/wiki/K%C3%BCbler-Ross_model