مجتمعنا والخوف من التغيير

التغيير عامل رئيسي ومتلازم لحركة المجتمعات. مع التطور المستمر, أصبح التغيير حاجة  ملحة لمواكبة احتياجات العصر والقبول والتسليم بـ الوضع المعيشي للآباء والأجداد لم يعد يلبي احتياجات أبناء المجتمع الحالي. أقصد بالتغيير هنا الانتقال العام من حال إلى حال, على كافة الأصعدة سواء اجتماعيا, سياسياً  أو حتى شخصياً.

في مجتمعنا التغيير دائماً محارب. تطالب به فئة وترى فيه صلاح المجتمع وتحاربه أخرى وترى فيه انفتاح غير مقبول وفتنة, وخراب للشعب. على الصعيد الاجتماعي, أمثلة كثيرة أثبتت خوف مجتمعنا من التغيير, من بداية رفض التعليم للبنات في عهد الملك فيصل إلى مسألة رفض قيادة المرأة في المجتمع الحالي. على الصعيد الشخصي, التغيير أيضا محارب. مجرد تغير تفكير الشخص على سبيل المثال أو الايمان بقيم لم يربيه عليها مجتمعه ستضعه تحت طائلة الرفض من مجتمعه وربما عائلته.

هل هذه المشكلة (الرفض المستمر لأي تغيير) مرتبطة بمجتمعنا فقط ؟ أم هل هي ظاهرة اجتماعية طبيعية؟

بالاعتماد على نظرية كوبلر في التعامل مع التغيير, تنبه علماء الاجتماع على ان “محاربة  ورفض التغيير” ظاهرة اجتماعية وليست مجرد حالات شخصية. تم الاعتماد على هذه النظرية في تفسير ردات فعل الانسان عند مواجهته لأي تغيير سواء في وظيفته, صحته, أو حياته بشكل عام. تقول النظرية أن طبيعة الانسان مجبولة على الاطمئنان ورفض التغيير, و عند مصادفة الانسان لأي تغيير في حياته سيدخل – لا اراديا –  في سلسلة من ردات الفعل وهي كالآتي:

  1. الصدمة: ردة الفعل الطبيعية هوشعور الانسان بعدم الاتصال لما حدث من تغيير حوله, وذلك قد يكون لمخالفته لقناعاته المسبقة.

  2. الرفض: بعدها يبدأ الانسان برفض التغيير جملة وتفصيلا. تختلف طرق الرفض من شخص إلى آخر, فهو قد يرفض بصمت, وقد يبدأ بحملة تهويل وتخويف لمن حوله بالإشارة إلى خطر التغيير وما قد يسببه من “فتنة” غير مرغوب فيها.

  3. القبول: هنا يبدأ الانسان بالتسليم بما حدث من تغيير وذلك قد يكون بعد رؤيته لنجاح ما حدث من تغيير حوله وبعد فشل حملته المعارضة في اقناع الناس للعدول عن التغيير.

  4. التكيف والمساندة: ردة الفعل الأخيرة هي الاقتناع بما حدث من تغيير ومساندته.

قد يأخذ الانسان عدة أشهر ليصل لمرحلة الاقتناع وقد يأخذ مجرد لحظات وقد لا يصل أيضاً. الخلاصة أن الخوف و محاربة التغيير ليست خصوصية سعودية. لكن قد يُعاب على الانسان في مجتمعنا البطء في الانتقال من ردة فعل الى أخرى والمبالغة في الرفض. نقضي معظم الوقت في رفض أي تغيير وذلك إما بسبب خوفنا مما قد يسببه من خسارة لنا على الصعيد الشخصي, أو بسبب تمسكنا بعادات وتقاليد تم ربطها بالدين قسراً. ومن هنا تبدأ حملات الرفض بإيهام الآخر بنظرية المؤامرة, حيث يفاتح الابن أباه بأفكار جديدة قد تخالف قناعاته, فيرفضها ويبدأ في لوم عوامل خارجية كـ الجيران و “أصحاب السوء” وإيهام الابن بخطرهم وأنهم يتربصون به.

الحل المثالي لنجاح التغيير وصلاح المجتمع هو إقناع الآخر (المعارض للتغيير) بأهمية التغيير للمصلحة العامة و وجوب التضحية ولو بالقليل من مصلحته الشخصية. لكن عمليا لا يمكن تطبيق هذا الحل وذلك لطبيعة النفس البشرية التي سترفض أي تغيير قد يهدد مكانتها الشخصية مهما حاولت في الوعظ والنصح. الحل السياسي قد يساعد في اقناع الناس بالتغيير. أقرب مثال لذلك  قرار دخول المرأة في مجلس الشورى. مشاركة المرأة في الشورى تحولت من رفض مجتمعي الى قبول وترحيب بعد صدور القرار من السلطات العليا. لكن يبقى الحل الأمثل والأهم برأيي هو التحرر من بعض العادات والتقاليد التي بسببها بقي مجتمعنا متأخرًا عن باقي المجتمعات. عادات وتقاليد مجتمعنا تستمر في رسم خطوط حمراء لنا, توهمنا بأنها من الدين, و تعرقل أي حركة للتغيير بحجة “عرف المجتمع”. هذه العادات والتقاليد هي سبب ركود المجتمع وهي سبب مبالغتنا في رفض أي تغيير.

وكما يقول ابن خلدون: ” اتباع التقاليد لا يعني أن الأموات أحياء, بل أن الأحياء أموات”

مهتدى المزعل

02/03/2012

للاطلاع على نظرية كوبلر:

http://en.wikipedia.org/wiki/K%C3%BCbler-Ross_model

Advertisements

3 thoughts on “مجتمعنا والخوف من التغيير

  1. ro7al7yah says:

    ننتظر بوح جديد ،، اما آن لقلمك ان ينزف ؟

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s