التعصب العاطفي .. كارثة!

هل تعتبر نفسك انسان متعصب لرأيك؟ ام انت من من يلتزمون الحياد ومنطق الوسطية في نقاشاتهم؟

بطبيعة الحال كل منا له آراء و وجهات نظر تختلف عن الآخر لذلك من الطبيعي جدا أن يغلب على بعض آرائنا شيء من التعصب. الدكتور علي الوردي يؤكد على هذا الشيء ويعتقد ان التعصب صفة سائدة و طبيعية في الانسان, و الحياد هو مجرد أمر طارئ عليه و قد يندر وجوده. لكن ما ضرر هذه الصفة, وما هي أسبابها الحقيقية؟ وهل من الممكن التخلي عنها؟

أعتقد أن أكثر التعصب الذي نراه يرجع الى اسباب عاطفية وليست عقلانية وهنا يكمن ضرر هذه الصفة. اقصد بالتعصب العاطفي هنا التسليم المطلق بصحة آراء تم تبنيها بسبب العيش في بيئة معينة وليس بالضرورة ان تكون لها دلالات عقلانية خارج إطار تلك البيئة.

الرجوع إلى أساس تكوين الفكرة أو الرأي عند الانسان قد يساعدنا أكثرعلى فهم العلاقة بين التعصب للرأي و الجانب العاطفي. بعض الباحثين أجروا دراسة لقياس كيفية عمل العقل البشري في تكوين الرأي واعطاء معنى لما حوله. تقول الدراسة أن كل معلومة يتلقاها العقل هي في أصلها بلا معني. المعلومة بطبيعتها مجردة و ليس لها قيمة. الخطوة الأولى التي يقوم بها العقل هي البحث عن علاقات ونقاط اتصال بينه وبين المعلومة ويحاول إضفاء معنى لها بحسب محيطه أو بحسب القناعات التي تعايش معها. هنا بعض الصور توضح هذه الفكرة. البعض قد يراها أنها مجرد خدع بصرية, لكنها في الواقع تبين مدى اختلاف اعطاء المعنى للصورة نفسها من شخص لآخر بسبب بيئته أو حتى بسبب مرحلته العمرية.

تقول الدراسة ان الطفل يرى الصورة التالية بشكل مغاير لما يراه الشاب مثلا

إذاً من الممكن القول ان الانسان يرجع اي معلومة جديدة الى خبراته السابقة المتعايش معها ليضيف معنى او منطق لما تلقاه. الانسان بطبيعته يبحث عن ما يساند هذه التصورات المتعايش معها فيبدأ – لا شعوريا –  بعمليات تنقيح يختار من خلالها ما يوافق تفكيره من جريدة, او قناة تلفزيونية أو حتى الخطيب الذي يستمع إليه. حتى مع عمليات التنقيح هذه, يصطدم الانسان بين الحين والآخر بمعلومات تخالف قناعاته المتعايش معها مما يحدث له اضطراب واستفزاز لمشاعره  يجعله في أغلب الأحيان يرفض الامر بعصبية (تعصب عاطفي). حدة هذه العصبية تختلف باختلاف وعي الشخص وباختلاف مدى تمسكه وارتباطه ببئته.

اعتمادًا على هذه الدراسة من الممكن القول أن بداية تكوين الرأي هي عاطفية وذلك يرجع لمحدودية الجانب المعرفي لعقل الانسان عند مقابلته لأي معلومة جديدة. في الحالة الطبيعية, يكون العقل في عملية تجديد مستمرة فيبدأ –  بازدياد اطلاعه –  بإضافة دلالات عقلانية لأفكاره. لكن الحالة المنتشرة في مجتمعاتنا هي استمرار غلبة الجانب العاطفي على آرائنا فينتج لنا تعصب أعمى يرى الأمور من منظور واحد فقط. الهجوم على الدكتور عدنان ابراهيم والدكتور حسن المالكي من الجانب السني و على السيد محمد فضل الله  والدكتور علي شريعتي من الجانب الشيعي مثلًا يثبت وجود هذه الظاهرة في مجتمعاتنا. انا لست بمقام أن أصحح أو أخطئ ما جاؤا به, لكنهم أثبتوا لنا تحررهم من الجانب العاطفي, خرجوا عن الرأي السائد وبدأوا بطرح تساؤلات عن ما يعتبره الأغلبية في مجتمعاتهم مسلَمات لا خلاف فيها.

 الحل لتقليل أثر الجانب العاطفي علينا هو القبول بأن اللوحة الكاملة للكون تحتمل أكثر من معنى (كما وضحت في الصور السابقة) وأن آرائنا تمثل تفسير واحد فقط. انتقادك لذاتك قد يتيح لك فرصة للنظر لآراء غيرك بنظرة أكثر انفتاحًا و أقل تعصبًا. يقول السيد محمد فضل الله ..” ان تكون انساناً, أن تخرج من سجن ذاتك”. نعم, قد يكون رأيك الذي استقيته من بيئتك هو الصواب, لكن تعصبك العاطفي له قد يمنعك من النظر الى الصورة كاملة واكتشاف ان غيرك قد يكون على صواب أيضًا وقد يسلب منك هذا التعصب شعور التسامح تجاه الآخر. وكما يقول فولتير .. “كن شديد التسامح مع من خالفك الرأي فإن لم يكن رأيه كل الصواب فلا تكن انت كل الخطأ بتشبثك برأيك”

مهتدى المزعل

27/04/2012

Advertisements