كيف يغتصبون عقلك؟

كيف يغتصبون عقلك؟

التحكم والسيطرة على الآخر نزعة موجودة في الانسان. قد تختلف حدتها واهدافها من شخص لآخر لكن هذا لا يعني تلاشيها تماماً. ألق نظرة بسيطة من حولك. الحكومة مع الشعب، المدير مع موظفيه، و الأب مع أبنائه. هناك دائماً علاقة حاكم و محكوم، او قائد و تابع.
مصدر التحكم هو اما نظامي وذلك باتباع القوانين التي سنتها الحكومة مثلا، او اجتماعي وذلك باتباع أوامر والدك مثلا.

بالإضافة لهذا كله، هناك مصدر تحكم خفي، قد يكون أثره أقوى من أساليب التحكم الظاهرة. يختلف عن الأساليب الظاهرة بانك تؤمن به لا شعوريا. يتحكم بك، وتسانده. وقد يختار لك مسار حياتك و مجال تفكيرك ومع ذلك تبقى تدافع عنه. مصدر التحكم هذا هو الفكر والاعتقاد عندما تطغى عليه الأيديولوجية.

ما هي الأيديولوجية؟
اختلف الكتّاب في تفسيرها، لكنهم اتفقوا في النهاية على تأثيرها في تضييق مدى التفكير لدى الانسان و حشره في زاوية ضيقة ليرى الأمور من جهة واحدة فقط.
البعض فسرها بأنها أفكار “خاطئة” يتم بثها في المجتمع في الغالب لتحقيق اهداف سياسية. من أمثلتها النظام النازي لـ هتلر و النظام الحالي في كوريا الشمالية.

البعض الآخر فسرها بأنها مجموعة من الأفكار والمعتقدات التي يؤمن بها الانسان لتساعده على إعطاء معنى لما يجري حوله من احداث. هذه المعتقدات تختلف من مجتمع لآخر وذلك لتأثرها بالثقافة، الدين أو القيم العامة في البلد.

الأيديولوجية بتفسيرها الثاني قد تكون اكثر وضوحا في مجتمعنا، و سأذكر عدة أمثلة لأبين ذلك.
خذ على سبيل المثال اي خلاف يحصل بين الزوج و زوجته لاختلاف في وجهات النظر. هذا الخلاف بحد ذاته لا علاقة له بأي أيديولوجية. لكن عندما يبدأ الزوج مثلا بإعطاء تفسيرات ان حصول هذا الخلاف يرجع لخصائص تكوينية يؤمن “هو” بوجودها في الأنثى كـ قول انها قاصر او انها “ناقصة عقل و دين”، عندها من الممكن القول ان هذا الزوج مؤدلج. عقل هذا الزوج تم اغتصابه بأفكار و معتقدات تم تبنيها في مجتمعه منذ سنوات، منذ أيام الجاهلية، لتخدم فئة معينة. آمن بها من دون تفكير، و ها هو مجتمعنا يعاني من تبعاتها الى الآن. سبب استمرار هذا الفكر الى الآن هو إضفاء لمحة دينية عليه، و ايهام الناس انه من اساسيات الدين. وبما اننا شعب تعلم التلقين، استمر الآباء والأمهات بتربية أولادهم على هذا الأساس.

نعم، هذه الأيديولوجية ليست قاصرة على مجتمعنا، حتى مجتمعات اوروبا عانت منها لفترة من الزمن، لكنها تجاوزتها بمراحل. الفكر القائم على ان المرأة كائن قاصر القدرات والتفكير بدأ بالتلاشي في اوروبا مع مطلع الحرب العالمية الثانية عندما بدأت المرأة في لعب دور مهم في الحياة العملية. الحاجة للمرأة هي من كانت كفيلة بتحرير عقل الكثيرين من اي أفكار أيديولوجية.

مارجريت ثاتشر (المرأة الوحيدة التي وصلت لمنصب رئيسة وزراء بريطانيا) مثال جميل لامرأة حاربت الفكرة الدونية لبنات جنسها. يحضرني هنا ردها لصديقها عندما أراد الزواج بها. رد يختصر الكثير و يعزز من مكانة المرأة المنسية بسبب فكر ايديولوجي منحاز للذكور في المجتمع. تقول ثاتشر؛
“أنا احبك، لكني لن اكون أبدا احدى تلك النساء اللاتي يصمتن ويختفين تحت جنح أزواجهن، او ان اقضي معظم وقتي بين الطبخ، والغسيل ورعاية الأطفال. يجب ان يكون لحياة الانسان معنى. معنى أسمى من ذلك كله”
(مصدر كلامها هو الفيلم الذي حكى قصتها، لذلك لك الحق ان تشكك في مصداقيته، لكن يظل يحمل خلفه بعض المعاني الجميلة)

مثال آخر؛ عندما تسمع عن جريمة قتل، ثم توصلك تحليلاتك العبقرية ان وقوع الجريمة يرجع فقط لكون القاتل يتبع المذهب الشيعي او السني، هنا كن متأكدا ان عقلك لم يعد ملكك، وقد تم اغتصابه بالكامل عن طريق فكر ايديولوجي تبنّاه مجتمعك و اجبرك على تصديقه. العجيب انه اجبار لكن بكامل ارادتك. كارل ماركس يفسر هذه الظاهرة بـ “الوعي الخاطئ”. اي انك تعي المشكلة، لكن تفسيرك لها تم تقييده بسبب فكر أيديولوجي في مجتمعك. هذا الفكر نراه ونسمعه في مجتمعنا كل يوم، في تويتر، في الاعلام و حتى في الأحاديث اليومية. ركز جيدًا عند سماعك للأخبار؛ “شيعي” يقتل اطفال أبرياء في سوريا. و “سني” يفجر مجالس للشيعة في العراق.
لاحظت؟ تم اغتصاب عقلك و تقييد مجال تفكيرك بكامل رضاك و دون الحاجة لأي من أساليب التحكم الاعتيادية.

تغيير فكر أيديولوجي في المجتمع ككل ليس خيارا متاحًا على ارض الواقع. لذلك الأمل يبقى في إرادة الفرد نفسه لتحرير عقله من اي قيود يفرضها عليه مجتمعه. وصولك لنهاية التدوينة بادرة جميلة للتغيير. هذه التدوينة لك انت. حرّر عقلك ..

مهتدى المزعل ..
07/10/2012

المصادر:
Eagleton. 1991. What is ideology?

Advertisements