هرمون السعادة ..

هرمون السعادة ..

لاحظت مؤخراً أني أعاني من قدر كبير من التشاؤم. أصبحت اتذمر من كل شيء، من بداية يومي حتى نهايته.
في طريقك للعمل كل صباح تمر على عدد من الحفر التي تشبعك بقدر كافي من الطاقة السلبية. تقوم بمراوغاتك المعتادة لتفاديها، ترتسم على وجهك نصف ابتسامة لـ تحسنك الواضح في المراوغة مع الوقت، لكنك لا تلبث الا ان تفشل مجددا. هناك دائما مفاجأة جديدة. تستمع لتلقي سيارتك للضربات، فتبدأ صباحك بالدعاء بالويل والثبور لمن كان السبب. حتى سماعك لـ فيروز اصبح جزءًا من روتينك الصباحي ونادرًا ما ينجح في قلب الطاقة السلبية إلى إيجابية.

اراهن اني لست الوحيد المتشائم في هذا البلد، الكثير يمر بنفس الحالة، فهو أما عاطل، مديون أو فقير لا يملك ما يكفيه لإكمال نصف دينه.
بغض النظر عن هذا كله، قررت أن اتحلى بالقليل من الايجابية وابحث عن معادلة للسعادة. ماهي السعادة؟ أي توجد؟ وهل بالإمكان تواجدها في بلد متشبع بالسلبية؟

سأناقش مفهوم السعادة من ٣ نواح؛ ناحية فلسفية، علمية، وواقعية.

– الناحية الفلسفية:
يقول أرسطو أن الشرط الاساسي لتحقيق السعادة لدى الانسان هو أن تكون مستمدة من عمل أخلاقي، وان أي عمل لا يتحقق بواسطة وسيلة فاضلة فلن يؤدي للسعادة مهما كان.
يعتقد أرسطو أن السعادة هي غاية يسعى إليها الإنسان من أجل ذاتها بعكس الغايات الأخرى كالسلطة والمال مثلا.
إضافة للجانب الأخلاقي، يعتقد أرسطو أن الفضيلة العقلية أو تحصيل العلوم هو الشرط الآخر لـ تحقيق الكمال الذاتي ومن ذلك تحقيق السعادة.
بالطبع هذه المعادلة للسعادة لم تكن مقنعة للجميع. فكم من حاكم ظالم سعيد بسلطته وجوره؟ وكم من سارق غير متعلم سعيد بأمواله؟
مع ذلك يعتقد أرسطو أن السعادة بهذه الطرق هي مجرد لذة سطحية، ولا تحقق الكمال الذاتي باعتبارها ستدفع هذا الإنسان على الندم عاجلا أم آجلا.

جان جاك روسو كان له رأي آخر وقد يكون أكثر واقعية من مثالية أرسطو. يقول روسو؛ “السعادة تتكون من حساب بنكي جميل، وطاهية ماهرة، وهضم خال من المشكلات”
روسو يعتقد أن المال ركن أساسي لتحقيق السعادة، واجزم أن الكثير يوافقه في هذا الرأي. لكن ما مدى صحته؟
هناك دراسة تقول نعم هناك علاقة طردية بين المال والسعادة. كلما زاد المال كلما زادت سعادتك، لكن الدراسة تقول ايضا أن هذه السعادة اما ستتوقف عند حد معين من المال أو أنها ستفقد قيمتها مع الزمن.
مثال بسيط لإيضاح الفكرة: الموظف يحصل على زيادة سنوية مع راتبه. هل هذا يعني ان معدل سعادته يزداد سنويا أيضاً؟
الجواب: ليس بالضرورة. لأن زيادته السنوية ستصاحبها في الواقع التزامات حياتية وتغيرات اقتصادية وربما غلاء في الأسعار سترجعه في النهاية إلى نفس معدل سعادته في السنة السابقة.

الناحية العلمية:
كل انسان لديه جين أو هرمون للسعادة يولد معه ويختلف معدله من شخص لآخر، اسمه سيروتونين.
اكتشف الباحثون عدة أدوية من شأنها زيادة معدله في الجسم لعلاج حالات الاكتئاب. مع ذلك بعض الدراسات تقول أن الطرق الأنجع لزيادة معدل هذا الهرمون في الجسم هي طرق حياتية أكثر منها طبية.
الشوكولاتة على سبيل المثال لها القدرة على انتشالك من بعض حالات الاكتئاب وذلك لتأثيرها الإيجابي على معدل هذا الهرمون في الجسم ولو مؤقتًا.
باحث آخر يعتقد ان ممارسة التمارين، واتباع نظام صحي هي الطرق الأفضل لزيادة هذا الهرمون. يرى الباحث ان معدل سعادتك يزداد لأنه مستمد من شعور الرضا عن النفس وعن الجسم المصاحب للتمارين والنظام الصحي.

الناحية الواقعية:
وقفت عاجزا عن ربط بعض مواقف الحياة بالدراسات التي أجريت لقياس السعادة. أكثر محب للحياة صادفته هو عامل النظافة لـ دورات المياه في الشركة التي اعمل بها. يلقي التحية على الجميع في كل صباح. كل من في المبنى يعرفه، يبتسم في وجه الجميع ولم أراه متذمرا أو عابس الوجه في يوم من الأيام.
يشعرني بالخجل. سعادته لم تأتي من مال – لتدني راتبه – ولم تأتي من أهل – لابتعاده عن أهله – وحتى لم تأتي من وظيفته. ربما أتت من شخصه، وطريقة حياته.
ولعله الوحيد الذي طبق مقولة ايليا أبو ماضي؛ “كن جميلا ترى الوجود جميلا”

تشاؤمي أو تشاؤمك قد يكون مصدره عدم إيجادنا لمعادلة السعادة الخاصة بنا. كلنا مختلف. البعض قد يجدها في زوجة سعيدة، أو أم راضية أو ربما حساب بنكي وفير. المهم من هذا كله لا تحصر سعادتك في لذات مؤقتة.
السعادة، كما أراها، طريقة حياة وليست غاية.

مهتدى
June, 14. 2013

المصادر:
Young, S. 2007. How to increase serotonin in the human brain without drugs
Inglebart, R and Klingemann, H. Genes, Culture, Democracy, and Happiness.
Parker, G. 2006. Mood state effect of chocolate.
إبراهيم النجار. مدخل إلى الفلسفة.

Advertisements