كيف تؤثر ذكرياتك على مستقبلك؟

كيف تؤثر ذكرياتك على مستقبلك؟

تجلس مع جدك، جدتك او احد والديك لشرب “أستكانة” شاي. يبدأ النقاش عن أحوالهم وعن أمور حياتهم ثم بعدها لا شعوريا يتحول حديثهم للنقاش عن الماضي وعن ايام الطيبين والزمن الجميل.

كنت ارى في هذا الحنين رجوعًا غير مبرر للوراء، انقطاعًا عن الحياة، وسببًا لتأخرنا عن باقي المجتمعات. كنت أدعو للتجرد من الماضي ونسيانه كليا، ربما لقلة تجاربي في ذلك الوقت.
لكني بعد فترة لاحظت أني لم اختلف عن أجدادي كثيرا في هذا الحنين. زرت بريطانيا بعد تخرجي منها بسنة، كنت اجد المتعة في المشي بين الشوارع بغير هدى، أتذكر ايام الجامعة وما صاحبها من ذكريات وجنون ولا شعوريا ابتسم.
لاحظت أني لم اختلف عن أجدادي كثيرًا، أنا أيضاً أسكن في الماضي في كثير من الأحيان، سواءً عبر ما اكتبه في تويتر او مما اعرضه من صور في أنستغرام.

ما صادفته من اختلاف وتصادم في الأفكار جعلني اكتب هذه التدوينة.
ما سر هذا الحنين؟ ما أسباب حبنا لتذكر الماضي – ولو كان قريبًا – وما صاحبه من ذكريات؟ وما الاثر الذي تتركه هذه الذكريات على مستقبلنا؟

السبب الأول لهذا الحنين هو استرجاع للحظات ومواقف ماضية أنتجت علاقة عاطفية بين الانسان وماضيه. ارى ان اثر هذا النوع من الذكريات سواء بالسلب او الإيجاب يعتمد على مدى عمق ونوع هذه العاطفة.
البعض يرى ان الماضي يمثل هويته. تذكره المستمر لماضيه هو وسيلة للحفاظ عليه من الاندثار والنسيان. في مدينة كاردف البريطانية على سبيل المثال تنتشر اللوحات في الشوارع باللغتين؛ الانجليزية والويلزية. الهدف من ذلك هو الحفاظ على اللغة الويلزية من الاختفاء.
هذا السبب قد يفسر أيضاً تعلق أجدادنا بماضيهم، عشقهم لأيام زمان، واستمرارهم في تذكر حكايا وقصص الماضي بين الحين والآخر. الحفاظ على هكذا هوية والمرور عليها بين حين وآخر أمر جميل وايجابي وإلا لما انتشرت المتاحف في أنحاء العالم للحفاظ على آثار مضت.

على الرغم من جماليته الظاهرة، هذا التمسك بالماضي والهوية قد يكون له آثار سلبية وقد يتحول الى نقمة ان غلبت عليه العاطفة. هذا الأثر السلبي نجده في جماعة “الأميش” على سبيل المثال. الأميش هي جماعة تعتنق الدين المسيحي لكن لهم اعتقادات خاصة تمنعهم من استخدام السيارات، التكنولوجيا وحتى الكهرباء في بعض الأحيان. تمسكهم بماضيهم وهويتهم كان سببا في رفضهم لأي تقدم او تحضر.

السبب الثاني للحنين ليس بالضرورة نتاج علاقة عاطفية وليس حبًا في الماضي نفسه، ولكن قد يكون حبًا لما وصلت اليه ذاتك من رضا وإنجاز في ذلك الوقت مما جعلها فترة “مقدسة”، فأصبحْت لا شعوريا تقارن اي لحظة من لحظات حياتك لما عايشته في تلك الفترة.
الانسان يمر بشعور ملح لإشباع احتياجاته باستمرار والفشل في إشباع هذه الاحتياجات سيشعره بالقلق، الإحباط وعدم الأمان. إشباع هذه الاحتياجات سيوصل الانسان في النهاية للرضا الكامل عن النفس والذات.
الباحث الاجتماعي ابراهام ماسلو شرح هذه الفكرة بشكل مبسط في رسم هرمي، كما هو مبين في الصورة أدناه.

الوصول للكمال الذاتي يختلف بطبيعة الحال من شخص لآخر لكن ماسلو يعتقد بوجود خطوات محددة وثابته يجب الإيفاء بها للوصول إلى قمة الهرم.
الخطوة الأولى تبدأ بالإيفاء بالحاجات الأساسية/الفسيولوجية للعيش كالمأكل والمشرب والمسكن. بعدها تأتي حاجة النفس للأمان النفسي والبدني.
الخطوة الثالثة هي الحصول على الحب والدعم من الأهل والأصدقاء، ويتبعها الحاجة للاحترام والتقدير من الآخرين. بحسب ماسلو، إشباع هذه الاحتياجات كفيل بأن يمهد الطريق للابتكار والإنجاز مما سيشعر الانسان في النهاية بالأمان والرضا الذاتي.

هذا الهرم قد يفسر حبك لفترة ماضية من فترات حياتك. ما أوصلته حياتي الجامعية الماضية على سبيل المثال من كمال ذاتي وإنجاز شخصي جعلها المرجع الأول لي ونقطة انطلاق للمقارنة مع اي لحظات او مواقف تتبعها.
التحدي يكمن في تكرار رسم هذا الهرم في حياتك، بأن تفهم المتغيرات التي تطرأ على احتياجاتك وتسعى لإشباعها . ان تكون ذكرياتك محفزا لإيجاد طموح جديد. مالم تجد طموحا جديدا يرضي غرور ذاتك سيبقى هرم حياتك ناقصا، وستبقى ذكرياتك كتلة من السلبية تلاحقك أينما ذهبت.
أنا اعترف أني لم استطع تكرار الهرم حتى الآن، وهذا ما جعلني سلبيًا كثير النظر للوراء في أغلب الأحيان، لكني بدأت في اكتشاف المشكلة.

الخلاصة؛ سواء كانت علاقتك بماضيك عاطفية ام لا، انت فقط من له القدرة على تحديد اثر ذكرياتك على مستقبلك

مهتدى المزعل

20131202-212151.jpg

Advertisements