ما وراء هيباتيا

«العلم نور والجهل ظلام» جملة كلاسيكية نرددها منذ أيام طفولتنا، ونعلقها على مداخل مدارسنا وجامعاتنا، آملين بأن يكون لها مفعول السحر على عقولنا، أن ترفع من مستوى وعينا، وأن تنتشلنا من الظلمات والأفكار الرجعية إلى أنوار العلم والمعرفة، لكن المهمة تتطلب أكثر من ذلك.

مرّ العلم بصعوبات وتحديات عدة على مر التاريخ حتى وصل إلينا بهذه الصورة التي نراها حالياً، إحداها كانت في القرن الرابع الميلادي، في ذلك الوقت كانت مدينة الإسكندرية تتميز بمجتمع مسيحي متشدد يحكمه رهبان وأساقفة الكنيسة، أي فكر مخالف لقناعاتهم كان يعتبر جرماً كبيراً وخطيئة توجب غضب الرب. في ظل هذا التشدد، كانت توجد امرأة تدعى «هيباتيا»، كانت عالمة في الرياضيات والفلك والفلسفة. كانت ندواتها تجذب المثقفين من المجتمع ويحب أن يستمع إليها كل من لم يتلوث تفكيره بعصبية الفكر المسيحي المتشدد في ذلك الوقت، بطبيعة الحال نشاطها الثقافي لم يعجب رهبان وأساقفة الكنيسة واعتبروا فكرها فتنة تهدد أمن واستقرار مجتمعهم. لم يهنأ لهم بال حتى اجتمعوا حولها ذات يوم وسحلوها في أزقة المدينة حتى ماتت ثم أحرقوا جثتها، ومن ذلك اليوم اعتبرت هيباتيا أول شهيدة تموت في سبيل العلم والفكر والحرية. أرى في حادثة «هيباتيا» أبعاداً عدة مرتبطة بمجتمعنا الحالي، ومن شأنها الإسهام في انتشال بعض الأفكار الرجعية فيه، سأفصلها في 3 نقاط:

البعد الأول هو أثر المجتمع في المستوى المعرفي لدى الشخص، أو بما يعرف في علم الاجتماع بالعقل الجمعي. العقل الجمعي هو الاعتقاد بأن رأي الجماعة هو الرأي الصائب، ويتولد عادة من الارتياب أو الخوف من نظرة المجتمع إلى أية أفكار مخالفة للرأي السائد، حتى إن كنتَ ترى رأيك منطقياً. تقول الدراسات إنك في الغالب ستتنازل عنه وستوافق رأي الغالبية، وهو ما كان واضحاً في حادثة الاعتداء علي هيباتيا، فحتى محبوها امتنعوا عن الدفاع عنها وقت الحادثة خوفاً على مكانتهم الاجتماعية أو من ردة فعل غاضبة تجاههم. طبيعة الإنسان مجبولة على الخوف من التغيير ابتداءً، وهذا ما يجعل من ظاهرة العقل الجمعي ظاهرة سائدة حتى في مجتمعنا الحالي، لذلك التحدي هو أن يبدأ الإنسان بقراءة ما يستفز عقله وقناعاته المتبناة من مجتمعه، وبذلك يتخطى حاجز العقل الجمعي ويصحح أفكاره إن كانت خاطئة أو يؤكدها إن كانت صائبة.

البعد الثاني هو الصراع المتكرر بين العلم والدين الذي يطرح بموجبه العديد من الأسئلة وأبواب النقاش حول المهم والأهم. هناك اعتقاد سائد بأن التركيز في الدراسات العلمية أو الفلسفية هو تقصير في حق الدين، من باب هل ستنفعك هذه الدراسات لآخرتك؟ ال

بعد الثالث هو أهمية التوسع في المعارف والمدارك الناتجة من استنتاجات منطقية وغير عاطفية. أفلاطون قسم المعرفة إلى ثلاثة أنواع: حدسية وحسية واستنتاجية، الحدسية هي المعرفة البسيطة بالأشياء، والحسية هي الناتجة من الظنون والاعتقادات السائدة (العقل الجمعي)، أما الاستنتاجية فهي المعرفة الناتجة من البراهين والتحليلات المنطقية، وهي التي ماتت وضحّت من أجلها هيباتيا وبها فقط سيتحقق معنى «العلم نور والجهل ظلام».

الهدف من هذه المقالة أن نعتمد في معارفنا على البرهان أكثر من اعتمادنا على قول فلان، أن نبدأ نقاشنا بـ«يقول الكتاب» بدلاً من أن نبدأه بـ«حدثني رجل». عندها فقط سنحظى بجيل متوسع المدارك، مستقل بثقافته، وغير متأثر بظاهرة العقل الجمعي، هيباتيا أنموذجاً. اسأل نفسك عن آخر مرة قرأت فيها كتاباً غير مقرر عليك في الجامعة، وابدأ من هنا.

** تم نشر هذا المقال في جريدة الحياة بتاريخ 10/03/2014

Advertisements