ثقافة الطاقة الإيجابية ..

يتم اتهام السعودي بأنه متشائم و سلبي على الدوام، كثير التأفف ويفتقد لصفة التفاؤل. هذا الاتهام جعلني أتسائل عن مصدر هذه الهالة السلبية التي تحيط بنا. هل المشكلة وراثية وموجودة في جيناتنا فقط كسعوديين؟ هل المشكلة في الوطن؟ ام ان هذا الاتهام باطل ولا أساس له من الصحة؟  في هذا المقال سأحاول الإجابة على هذه التساؤلات اولا بتحليل مشكلة الهالة السلبية وثانيا بإيجاد حلول ممكنة

بغض النظر عن جنسيتك، نظرتك الإيجابية للحياة سيحدد مسارها عوامل خارجية في محيطك البيئي وعوامل داخلية يتحكم بها محيط تفكيرك.

العوامل الخارجية:

هناك عوامل خارجية عدة من شأنها التحكم في مدى حبك وايجابيتك للحياة. بعض هذه العوامل لا تتكرر بكثرة ولكن قدرتها على خلخلة موازينك الايجابية كبيرة مثل الأحداث المؤسفة من فقد عزيز أو مرض حبيب, معاناة مع بيروقراطية الدوائر الحكومية أو المرور على حفرة مفاجأة على الطريق. وبعض العوامل الخارجية – وأشدها تأثيرا- هي تلك التي تتكرر حولنا بكثرة حتى أصبحت جزءا من روتين حياتنا جعلنا ننسى انها هناك ولم نعد نلحظ تأثيرها وهي محادثاتنا اليومية واختلاطنا المستمر مع من حولنا. اختلاطنا بالمتشائم, او كثير التذمر على سبيل المثال سيؤثر سلبا على أطباعنا وتصرفاتنا لا شعوريا. لذلك ان واجهت صعوبة في إضفاء بعض من الإيجابية على يومك راجع دائرة علاقاتك. فالسلبية, وكذلك الإيجابية مُعدية بشكل كبير.

العوامل الداخلية:

على الرغم من قوة محيطك البيئي على فرض السلبية أو الايجابية في حياتك، هناك عوامل داخلية لها القدرة أيضا على توجيه مسارك الى الطريق السلبي أو الإيجابي.

احد هذه العوامل هي العقل وطريقة التفكير. تقول الدراسات أن تفكيرك الإيجابي او السلبي يعتمد على اي جزء من عقلك تستخدم اكثر. علميا، الجزء الأيسر من الدماغ يهتم بالوقائع، الأرقام والأفكار المنطقية والتحليلية. عند استقبال عقولنا لأي معلومة نقوم لا شعوريا بإصدار الأحكام وتحليل المعلومة والوصول للنتائج وذلك بسبب غلبة جزء الدماغ الأيسر على تفكيرنا.

على النقيض من ذلك، الجزء الأيمن من الدماغ يهتم بالخيال والابتكار والشغف لتحقيق الأهداف ويعتبر محفزاُ للتفكير الإيجابي.

إيجادك صعوبة بأن تكون متفائل أو أيجابي سببه انحياز تفكيرك للجزء الأيسر من الدماغ. سببه إجهاد عقلك بالتفكير المبالغ فيه وتحليل وقائع لا تملك القدرة على تغييرها من الأساس.

تقول الدراسات ان هذه الصعوبة نعاني منها نحن الرجال اكثر من النساء . الجزء الأيمن من عقل المرأة المسؤول عن حب الخيال وشغف تحقيق الاهداف له الغلبة ولذلك قابليتها لاستقبال ونشر الطاقة الايجابية أكبر من الرجل.

بعد تحليل العوامل والاسباب وراء الطاقة السلبية, سأناقش الآن بعض الحلول أو الخطوات الممكنة للوصول لحياة أكثر أيجابية. كتب النفس مليئة بأفكار ووصفات تحفز على التفكير الإيجابي مثل قانون الجذب وغيرها لكنها تتطلب تمرين مستمر وتمرس على النظر للجانب الإيجابي في أي حدث سلبي تصادفه في الحياة مما قد يفقدها الواقعية في كثير من الأحيان. إضافة لقانون الجذب هناك بعض الخطوات أسهل تطبيقا من شأنها المساعدة على توجيه مسار تفكيرك إلى المسار الذي تريد.

أحد هذه الخطوات هي التمرين الذهني وذلك بالتخطيط المستمر لحياتك. هذا التخطيط يستوجب معرفة أولا ماتريد تحقيقه من أهداف ومن ثم وضع خطة واضحة لتحقيقها. كثير منا قد يضع أهداف لسنة او خمس سنوات قادمة مفعلا الجزء الأيسر من عقله ولكنه أيضا يعيش أيامه بعشوائية وبلا خطة واضحة أو شغف لتحقيق تلك الأهداف مما يجعل الجزء الأيمن من العقل (المحفز للتفكير الإيجابي) عاطلا عن العمل. وضعك أهدافا لخمس سنوات قادمة لا يكفي. اسأل نفسك عن أهدافك لهذا الأسبوع أو حتى ال24 ساعة القادمة. هذا التخطيط اليومي البسيط من شأنه أن يجعل جل تفكيرك منصبا في أتجاه محدد بلا عشوائية و من شأنه أن يحفز شفغك لتحقيق اهدافك. هذا التخطيط لن يغير حقيقة معاناتك في الدائرة الحكومية أوالتعامل الجاف من الموظف الحكومي, ولن يغير حقيقة سقوط سيارتك في حفرة مفاجأة هذا الصباح لكنه فقط سيرتب أفكارك وسيجعل من مثل هذه الأحداث ثانوية بدل أن تأخذ العنوان الرئيسي والصفحة الأولى لملخص يومياتك.

الخطوة الأخرى التي من شأنها تسيير حياتك إلى المسار الإيجابي هي حسن الظن بالله. بعيدا عن الدراسات والقوانين وكتب النفس, الإيمان بقضاء وحكمة الله في تسيير الامور من شأنه تحويل مشاعر الهم والغم والتذمر إلى راحة نفسية مهولة.

وكما يقول الإمام علي بن أبي طالب (ع)

وكم أمرٍ تساءُ به صباحاً .. وَتَأْتِيْكَ المَسَرَّة ُ بالعَشِيِّ

إذا ضاقت بك الأحوال يوماً .. فَثِقْ بالواحِدِ الفَرْدِ العَلِيِّ

في هذا المقال لا أدعو للمثالية أوالخروج عن الواقع. أدعو فقط لإيجاد حل معقول في مجتمع يضج بالسلبية والتشاؤم. ان نتغير ونغير من حولنا في حدود امكانياتنا وقدراتنا بدل العيش مكبلين تحت أوهام الطاقة السلبية. نعم, قد يكون اتهامنا بسلبيتنا كسعوديين فيه شيء من الصحة. لا أحد ينكر ما نصادفه يوميا من أحداث ترغمك على السلبية سواء في تعاملاتنا مع الدوائر الحكويمة او المرور على التحويلات والحفر المفاجأة على الطريق مما أثر أيضا على طريقة تفكيرنا. لكن الأهم إيماننا بقدرتنا على التغيير والتفكير بحلول أكثر للتحكم بما يمكن تغييره (عواملنا الداخلية). عندها فقط ستصبح الطاقة الإيجابية في مجتمعنا ثقافة

**تم نشر هذا المقال في جريدة الحياة بتاريخ 27/08/2014

مهتدى المزعل

Advertisements

2 thoughts on “ثقافة الطاقة الإيجابية ..

  1. ثقفنى says:

    شكرا على المقال الرائع استفدت منه الكثير اتمنى لكم كل التوفيق

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s