لماذا لا نحب النظام؟

كلنا شهد الفوضى التي عمت الأسواق في رمضان والمنافسة للحصول على عبوة تانج أو زجاجة فيمتو, فوضى تتكرر في رمضان وفي كل موسم تخفيضات. مشهد يدعو للأسى على حالنا ويجعلك تتسائل عما اوصلنا لهذه الدرجة من الهمجية. هل مشكلتنا في اتباع النظام سببها حالات فردية أم هل هي ظاهرة عامة في مجتمعنا؟ هل الاخلال بالنظام في الأسواق والشوارع مشكلة عامة حتى في البلدان الغربية أم هي فقط جين سائد عندنا نحن السعوديين و نتوارثه جيلا بعد جيل؟

يهدف هذا المقال لتحليل ظاهرة الهمجية في بعض تعاملاتنا وتحليل سلوكنا الغير حضاري سواءً في رمضان, في الدوائر الحكومية, أو حتى في الشوارع ويهدف لإيجاد بعض الحلول الممكنة.

قبل البدأ في البحث في أسباب هذه الظاهرة, من المهم الإشارة أنها ليست حكرا علينا كسعوديين فقط. هذه الهمجية تبرز في أمريكا ايضا – على الأقل موسميا – في ما يعرف بيوم “بلاك فرايدي”. هذا اليوم يقع بعد عيد الشكر مباشرة في نوفمبر من كل سنة وتُعرض فيه السلع بأسعار مخفضة. في هذا اليوم يصطف الناس منذ ساعات الفجر الأولى أملا في أسبقية الدخول لضمان الحصول على أفضل العروض قبل نفاذها وتشتعل الفوضى ما أن تفتح المحلات أبوابها.

في نظري هناك سببان رئيسان لسلوك الناس الغير حضاري وعدم احترامهم للنظام بين حين وآخر:

السبب الأول هو البيئة التي تحيط بنا بما فيها من عوامل كثيرة تحفز على هذا السلوك. أحد هذه العوامل البيئية هو سوء التنظيم في المكان نفسه, وسأذكر عدة أمثلة لإيضاح هذه الفكرة

هناك دراسة أجريت على سلوك المتسوقين في يوم “بلاك فرايدي” ووجدت ان سبب كبير للفوضى هو عدم وجود عدد كاف من الموظفين لتتنظيم هذا العدد الهائل من الزبائن. هذا العدد القليل من الموظفين تسبب في خدمة سيئة للعملاء و صفوف طويلة للدفع مما أدى في نهاية المطاف إلى الفوضى.

مثال آخر من الممكن رؤيته على جسر الملك فهد. عدم فتح منافذ كافية, أوالبيروقراطية المتبعة في اجراءات الدخول تزيد من حجم الصفوف وتكدس الناس مما يؤدي لفوضى لا مفر منها.

هذا التفسير يبين ان جزء من هذه الظاهرة الغير حضارية التي نعاني منها في مجتمعنا هو سوء التنظيم في البيئة نفسها والذي يقع على عاتق المسؤول سواء في السوق, أو أي مكان آخر

السبب الثاني لهذا السلوك الغير حضاري يدور حول الشخص نفسه. هناك دراسة تقول ان نزعة العنف والهمجية تزداد لدى الانسان عند شعوره بالإحباط. يُقصد بالإحباط هنا هو ذلك الشعور الذي يصيب الانسان عند فشله في الوصول لما خطط له من أهداف.

ولإيضاح هذه الفكرة ذركت الدراسة مثالا لسلوك بعض المتسوقين في يوم “بلاك فرايدي”, البعض يذهب للسوق لشراء غرض محدد ككاميرا رقمية مثلا لكن انتظاره في الصف لفترة طويلة او نفاذ العرض المعلن عنه يتسبب له بالاحباط مما يؤجج نزعة العنف عنده في تعاملاته.

مثال أخر لشخص يخرج من بيته أملا في الوصول الى البحرين في غضون ساعتين, لكن انتظاره على الجسر ل 3 او 4 ساعات ينمي شعور الاحباط عنده لفشله في الوصول لما خطط له, ينفذ صبره ويبدأ بمحاولة تخطي الصفوف بطريقة غير نظامية. في غضون لحظات تنتقل عدوى هذا السلوك للآخرين مما يؤدي لفوضى يصعب التحكم بها.

إضافة لمشاعر الاحباط التي تؤدي بنهاية المطاف للاخلال بالنظام, تبرز أيضا مشاعرالنرجسية والفوقية لدى البعض. دائما هناك ذلك الشخص الذي يشعرك أن العالم يدور حوله وهو الوحيد من لديه أمر طارئ يجبره على التعدي على النظام سواءا في الشوارع, السوق, او حتى في صف للفوال. هؤلاء يجدون المتعة في كسر النظام, يتباهون بسرد بطولاتهم في التقدم على الناس في الصف, ويسخرون منك لاتباعك أبسط الأنظمة كربطك حزام الأمان.

بعد تفصيل بعض الاسباب للسلوك الغير نظامي في مجتمعنا, سأذكر الآن بعض الحلول الممكنة:

كما ذكر هذا المقال, جزء من المشكلة ناتج من البيئة نفسها من سوء في التنظيم أو سوء في التعامل من القائمين أو المسؤولين عن المكان, لذلك من السهل توجيه اللوم عليهم ومطالبتهم بإصلاح هذه الفوضى. لكن فشلهم في أداء مهمتهم لا يخلينا من المسؤولية, ونجاحهم في احتواء الفوضى في مكان معين لن يقضي على المشكلة ككل.

لذلك الحل الأمثل أن نفكر في إصلاح سلوك الشخص نفسه. عند السفر تجد السعودي ملتزم كغيره بالنظام, مما يدل على ان مشكلتنا الرئيسية ليست بالضرورة جهلا أو ثقافة.نحن نتبع النظام في الخارج إما بسبب تربيتنا, أو لوجود قانون يردع المخالف, أو لأن اخلالنا بالنظام سيجعلنا نظهر شاذين عن باقي المجتمع. لذلك وبنفس المنطلق سلوكنا الغير نظامي في مجتمعنا سيستمر ما لم نرى أن المخل بالنظام شاذا عن المجتمع. العذر لكثير من الخالفين للنظام بأنه ليس الوحيد والجميع يشاركه هذا السلوك في مجتمعنا, لذلك لماذا يتغير؟

الحقيقة لا شيء سيتغير حتى نؤمن بمدأ التأثير التراكمي, وذلك بأن نؤمن ان سلوكنا الفردي في اتباعنا للنظام سينتج عنه سلوك جماعي تدريجيا. عندها فقط يحق لنا ان نحلم بمجتمع نظامي في كل تعاملاته .. ولو بعد حين

*تم نشر هذا المقال في جريدة الحياة بتاريخ 27/09/2014

مهتدى المزعل

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s