اسم بنت هز مجتمع بأكمله ..

بحسب علماء الاجتماع فإن اي تغيير في المجتمع تتم مجابهته ومقاومته في بدايته. وبحسب الباحثة في علم النفس إليزابيث كوبلر فإن طبيعة الانسان مجبولة على الاطمئنان ورفض التغيير وعند مصادفته لأي تغيير في حياته سيدخل لا إراديا في سلسلة من ردات الفعل تبدأ بالصدمة و الرفض، الغضب، التفاوض، الاحباط، ثم القبول في النهاية.
إذاً محاربة التغيير هي ظاهرة طبيعية في اغلب المجتمعات، لكن ما يعاب على مجتمعنا هو البطء في الانتقال من ردة فعل الى أخرى والمبالغة في الرفض بمواضيع أعتبرها ساذجة.

التغيير الكبير الذي طرأ على مجتمعي مؤخراً وجعله في حالة شد وجذب هو كتابتي لاسم زوجتي (غدير) في دعوة الزواج. اهتز كيان المجتمع والاغلبية رفضت هذا الأمر إما لدواعي “العرف” واحترام طقوس وعادات بالية ما أنزل الله بها من سلطان او حتى بدافع السخرية وان ذكر الاسم ماهو إلا فعل تغريبي منفتح و مقدمة لنشر صورة البنت في الستقبل!

لأننا مجتمع محافظ ونحرص على إرجاع أي أمر إلى الدين سأبدأ بتحليل ديني بسيط.
سؤالي لكل من يتشدق بالدِّين في المجتمع ويجعله مرجعه الأساس في كل شيء، لماذا لم ترجع الامر كعادتك للدين ولفعل النبي عليه الصلاة والسلام قبل ان ترجعه لعادات مجتمعك؟
هل ذكر في أي من الروايات ان النبي صلى الله عليه وآله تزوج من “كريمة” خويلد بدلا من ذكر اسم خديجة عليها السلام؟
ام كان الامام علي عليه السلام يخجل من ذكر اسم فاطمة عليها السلام على الملأ؟
في الجاهلية نتج وأد البنات لخجل الناس من الأنثى وكانوا يعتبرونها عاراً عليهم. المحزن في الموضوع ان اكثر من ١٤٠٠ سنة مرت ولم يتغير حالنا. فشحنة الغضب والانتقاد التي انتشرت ما أن كتبت اسم زوجتي اثبتت ان الأنثى في نظر الكثيرين لازالت مدعى للخجل، لكنهم لم يكتفوا بوأد اسماء بناتهم فحسب، بل قاموا أيضاً بالمطالبة بوأد أسماء بنات غيرهم.

لأن إرجاعهم هذا الامر للدين لا يخدم حجتهم، قاموا بإرجاع الأمر الى “العرف” وعادات المجتمع التي يجب ان تُحترم وأن ذكر اسم الزوجة هو مخالف لما ما وجدوا عليه آبائهم الأولين.
للأسف اصبح مصطلح العرف شماعةً لكل شيء وحجةً لمن لا حجة له لأنه مصطلح فضفاض، ويحتمل اكثر من تفسير. العرف له اكثر من معنى في اللغة، لكن المعنى الدارج في مجتمعنا هو العادة التي ألِفها المجتمع واعتاد عليها. وبرأي الشرع يكون هذا العرف مُلزما اذا ترتب على مخالفته اضرارا للمجتمع فقط. فمن غير المعقول ان تكون كل عادة دارجة في المجتمع مُلزمة ومحرم تغييرها وإلا أصبحنا مجتمعا ديدنه التقليد والتلقين.
في الواقع، إخفاء هوية البنت ليست عرفاً في مجتمعنا أصلا لكي نأمر الناس بالالتزام به فما اكثر الفنانات المنشورة رسوماتهن في المعارض والشوارع بأسمائهن وما اكثر المبتعثات اللاتي تذكر الأخبار انجازاتهن بأسمائهن. لكن لو فرضنا جدلاً ان اخفاء هوية البنت هو العرف السائد في محيطك الضيق الذي تعيش فيه، وأنك لم تَرَى اسم بنت من قبل في حياتك، أين الضرر الحقيقي الناتج على المجتمع من ذكر اسم بنت بيوم فرحها؟ الا تخجل من نفسك وانت تنتقد كتابة اسم بنت بيوم زواجها ولا تمانع ان يُكتب اسمها على قبرها وينادى به على المنابر بيوم وفاتها؟

البعض الآخر رفض الأمر بحجة عدم وجود هدف من كتابة اسم الزوجة وإني فقط اريد تحدي المجتمع. لكن كل شخص عاقل كان من الأجدى ان يسأل نفسه عن الهدف من اخفاء اسمها تحت مسمى “كريمة فلان”. خجل ام عار؟
المسألة ليست تحدي للمجتمع او تحدي لطقوسه وعاداته البالية التي تعتبر اسم البنت نكرة. المسألة هي مسألة قناعة شخصية. قناعة شخصية بأني لم اجد مبرراً من إخفاء هوية من تشاركني فرحي. اسم الزوجة ليس عارا ولا عيبا لأخجل منه بل شرف لي ان أُسمى باسمها وأُنسب إليها كما كان يفخر نبينا عليه الصلاة والسلام بأنه زوج خديجة.

في الحقيقة لم اكن أتوقع هكذا ردة فعل. كنت اعتقد ان مجتمعنا نضج فكرياً عن الخوض في هكذا سجالات، لكن على الرغم من هذا كله، لو اخبروني مسبقاً بموجة الغضب والانتقاد والسخرية التي ستحدث نتيجة ذكر اسم زوجتي لكررت الفعل. فالحياة أقصر من ان أعيشها مخالفاً لقناعاتي ومتبعاً لضوابط مجتمع ما أنزل الله بها من سلطان.
يقول الباحث الاجتماعي ابن خلدون “اتباع التقاليد لا يعني ان الأموات أحياء، بل أن الأحياء أموات” والمجتمع الذي يخجل من اسم بنت ويعتبرها نكرة يتم تعريفها باسم والدها فقط هو مجتمع ميت، ومثير للشفقة.

* في مدونتي وفي بعض مقالاتي التي نُشرَت في جريدة الحياة احاول حل بعض المشاكل والأفكار في المجتمع، وهذه من أسخف المشاكل التي واجهتها

مهتدى المزعل
٢٩/١/٢٠١٥

2015/01/img_1936.jpg

Advertisements