موريشيوس الأكثر سعادة ..

موريشيوس الأكثر سعادة ..

عند ذكر اسم جزيرة موريشيوس يخطر على بال الكثيرين صور طبيعة خلابة, كوخ صغير على واجهة البحر, أو ربما رفقة رومانسية على الشاطيء. اشتهرت جزيرة موريشيوس باختيارها وجهة لشهر العسل أو لقضاء اجازة قصيرة للهروب من هموم ومشاغل الحياة .. لكن ما لا يعرفه الكثيرون هو جمال ثقافة شعبها الذي يجاري سحر وجمال شواطئها.

رغم صغر مساحتها التي لا تتجاوز 2500 كيلومتر مربع, تتكون موريشيوس من خليط عرقي, وديني, وثقافي كبير وذلك لاختلاف أصول شعبها. يسكن هذه الجزيرة عدة طوائف من الافارقة, الهنود, الآسيويين, وحتى الاوروبيين الذين يتبعون ديانات مختلفة كالاسلام, المسيحية, الهندوسية والبوذية. ولك ان تتصور حجم الاختلافات الناتجة عن هذا الخليط من تباين في العادات او الطقوس العبادية أو حتى الاحتفالات وكل هذا في مساحة صغيرة نسبيا. ما يميز موريشيوس هو تعايش شعبها على الرغم من كل هذه الاختلافات التي تفرقهم ولذلك سأسلط الضوء في هذا المقال على نجاح تجربتهم وعن سبل الاستفادة منها في مجتمعنا.

قد تقول ان مجتمعنا فيه صور عدة تدل على التعايش كما أن التعايش موجود في أكثر من دولة في العالم, لماذا الحديث عن موريشيوس بالذات؟
السبب في ذلك هو ان التعايش الموجود في مجتمعنا هو تعايش بسيط وهامشي وقد يصل إلى درجة السلبية في كثير من الأحيان. أعني بالتعايش السلبي هنا هو أن اتعايش معك ظاهريا بعقد لقاءات حوارية تنادي للتعايش واللحمة الوطنية, ولكني أقضي معظم الوقت في سرد عيوبك وتربية أبنائي على الخوف والحذر منك بسبب فرضيات وتخمينات استقيتها من البيئة التي نشأت فيها. على النقيض من ذلك, تجربة موريشيوس تثبت أن هذه الجزيرة لم تتوقف وتركن عند خط التعايش هذا بل تجاوزته بمراحل. في موريشيوس هناك اعتقاد سائد بان اختلافاتهم الدينية والثقافية هي مصدر سعادة وفخر لا مصدر انقسام. هناك اعتقاد سائد بوجوب التكاتف للوصول لأهداف أسمى من النقاش حول غلاف كتاب أو حول أحقية أحد اجدادهم بزعامة القبيلة. هذه الدرجة من التعايش كانت احد اسباب حصولهم على لقب الدولة الأكثر سعادة في أفريقيا لعام 2012, بحسب التقرير العالمي للسعادة.

اذاً السؤال المهم هو كيف وصلت موريشيوس لهذه الدرجة من التعايش والسعادة وهل من الممكن تطبيق تجربتهم في مجتمعنا؟
أحد أسباب نجاحهم هو تطبيقهم لجزء من نظرية الباحث الاجتماعي ستيفن كوفي حول العادات السبع للناس الأكثر فاعلية. هذه النظرية تدعو الشخص للتطبع ببعض العادات ليصبح قادرا على الاعتماد على نفسه أولاً ثم تدعوه للانتقال من هذا الاكتفاء الذاتي إلى الترابط والتكاتف مع غيره ليصبح بذلك شخصا فاعلا في مجتمعه. هذه النظرية تحتاج مقالات عدة لشرحها ولكني سأركز على جزء منها والذي كان سببا لرقي موريشيوس الى هذه الدرجة من التعايش. يقول ستيفن أن الاختلافات بين الناس كبيرة بطبيعتها, لذلك الصراعات هي نتيجة متوقعه لهذه الاختلافات مما ينتج لنا مجتمع تنافسي كل فرد فيه يفكر بنفسه فقط, وإن لزم الحال سيتعايش مع غيره مرغما تحت مبدأ التعايش السلبي. يعتقد سيفن أن جوهر التعايش الحقيقي والعيش بسلام وسعادة في ظل هذه الاختلافات هو السعي أولا لفهم هذه الاختلافات على حقيقتها بعيدا عن أي تخمينات أو فرضيات سابقة ثم إعطاء هذه الاختلافات قيمة ومعنى, وهو ما سعت لتحقيقه موريشيوس.

الانسان بطبيعته عدو ما يجهل, لذلك تبنّت موريشيوس نظرية ستيفن كوفي وسعت لأن تعرف كل طائفة في مجتمعها عن ثقافات الطوائف الأخرى بطريقة ممنهجة وصحيحة وذلك بإدخال هذه الاختلافات الثقافية في المدارس كمادة تعليمية. لا يكبر الشخص في موريشيوس إلا وقد كوَن وعيا متكاملا عن ثقافة جاره, عاداته, وحتى طقوسه العبادية. هذا الوعي دعا الشعب لإعطاء قيمة ومعنى لاختلافاتهم, ودعا الحكومة لأن تجعل من كثير من المناسبات كعيد الفطر وغيرها من مناسبات واحتفالات الصينيين أو الهندوس عطلاً رسمية في البلاد لتتيح للجميع المشاركة بالفرحة.

الخلاصة: كل انسان لديه درجة من الفضول تحتاج للإشباع وهذا الفضول يزداد عندما يكون مرتبطا بطائفة تشاركك المجتمع. إذا لم يتم اشباع هذا الفضول بطرق مقننة وصحيحة سيسعى الانسان لإشباع فضوله من خلال ما يسمعه في “استراحة” أصدقائه او ربما من خلال ما يقرأه على وسائل التواصل الاجتماعي.

من هذا المنطلق, لن نتعدى حاجز التعايش السلبي ونصل لما وصلت إليه موريشيوس حتى نُشبع فضول مجتمعنا بإدخال اختلافاته الثقافية كمادة تعليمية في المدارس لتنفي أي فرضيات خاطئة تبناها المجتمع في السابق بسبب جهل أو تعصب. عندها فقط سنبني جيلاً واعياً, متسامحاً مع اختلافاته, وتغلب عليه مشاعر التقدير والاحترام بدل مشاعر الحذر والخوف من الآخر, موريشيوس أنموذجا. تجربة موريشيوس وسَّعت من معنى التعايش وأثبتت أن التعايش أكبر من مجرد حلول وقتية, كعقد ندوات أو حوارات, أو كالمطالبة بتعيين أحد أبناء طائفة معينة في مركز إداري مهم. التعايش هو إيمان داخلي تزرعه في نفوس أبنائك, وطريقة حياة.

مهتدى المزعل
١٦/٢/٢٠١٥
@Muhtada89

IMG_0017

Advertisements