ميل النفس إلى تقييم أفعال الناس ..

الاختلاف في وجهات النظر أو الاختلاف في المبادئ والقيم يأخذ منحى مبالغا فيه أحيانا، ويصل لدرجة توزيع الصكوك على الناس. في ليلة رأس السنة في إسطنبول وقعت حادثة إرهابية راح ضحيتها عشرات من الأبرياء من جنسيات مختلفة. على قدر الألم والصدمة التي هالت جميع أنحاء العالم إثر هذه الحادثة، إلا أن أغلب النقاش في مجتمعنا كان يدور حول السؤال: هل وقعت الحادثة في مطعم أم في ملهى؟ وهل الضحايا في الجنة أم في النار؟

من الممكن الاستنتاج من ردات الفعل تجاه الحادثة الإرهابية في إسطنبول وغيرها من ردات الفعل المشابهة على وجود حالة من المبالغة في إطلاق الأحكام على الناس في مجتمعنا. على سبيل المثال لا يزال هناك الكثير ممن يحكم على من تلبس العباءة المزخرفة بأنها فاسدة، أو مثلا من يحكم على ولي الأمر الذي يسمح لابنته بالعمل في مكان مختلط بأنه فاسد وعديم غيرة.

هناك أسباب عدة أدت إلى ظهور هذه المبالغة في إطلاق الأحكام على الناس في مجتمعنا. أحد هذه الأسباب هو الانحياز، وهو ميل النفس إلى وجهة نظر أو فكرة معينة ومخالفة ما سواها. يظهر هذا الانحياز في أنواع عدة: هناك نوع من الانحياز يسمى انحياز المرساة (نسبة لمرساة السفينة) ـ anchoring bias

هذا الانحياز يدعو الشخص للاعتماد على أول معلومة يتلقاها، وبذلك يبني كل قراراته نسبة لهذه المعلومة. لنأخذ الحادثة الإرهابية في إسطنبول على سبيل المثال. أول معلومة تلقاها الناس كانت أن الحادثة وقعت في ملهى ليلي، لذلك كثير من الناس اعتمد على هذه المعلومة لإطلاق أحكامه على الضحايا، إلى درجة تخلي البعض عن إنسانيته ورفضه إظهار أي تعاطف تجاههم.

وقد يعني هذه الانحياز أيضا اعتماد الشخص على معلومة واحدة فقط لتكوين وجهة نظره وإطلاق أحكامه على الناس، وتكون هذه المعلومة هي الأكثر جاذبية من الحدث كله. المعلومة بأن التفجير كان في ملهى ليلي لها وقع رنان ومقاربة للفضيحة لذلك رفض الكثير أي فكرة تخالفها وأي احتمال بأن مكان التفجير به مطعم فاخر أو بأنه يوفر إطلالة جميلة في ليلة رأس السنة.

للتعامل مع هذا الانحياز من المهم أن يكون الإنسان منفتحا لتقبل المعلومات الإضافية التي قد تخالف رأيه أو انطباعه الأول، وأن يبحث دائما عن الصورة كاملة بدلا من الحكم على أي موضوع من زاوية ضيقة.

هناك نوع آخر من الانحياز قد يكون سببا أيضا في المبالغة بإطلاق الأحكام على الناس وهو الانحياز التأكيدي ـ confirmation bias
هذا الانحياز يدعو الشخص للبحث عن المعلومات التي توافق أفكاره ومبادئه السابقة، ويتجاهل ويحارب أي معلومات تخالفها. هذا الانحياز يجر الشخص لتكوين صورة نمطية عن البعض فيبدأ بإطلاق أحكامه عليهم لاختلافهم معه في أفكاره ومبادئه.

إذا كان شخص على سبيل المثال يعارض فكرة ابتعاث المرأة للدراسة، سيستغل أي خبر عن أي مبتعثة لم تنجح في دراستها لإثبات فكرته المعارضة لابتعاث المرأة ولإطلاق أحكامه عن فسادها وفساد أهلها، وسيتجاهل بالمقابل كل الأخبار التي تتحدث عن إنجازات قامت بها مئات من المبتعثات الأخريات.

أحيانا قد يظهر هذا الانحياز لا شعوريا، لذلك قد يكون التعامل معه أصعب من غيره. نحن قد ننجذب بلا قصد للأخبار التي توافق وتساند أفكارنا، لكن المهم هو ألا يجرنا هذا الانحياز لإطلاق الأحكام على من يخالفنا في ثقافته، ودينه، أو تجاربه في الحياة.

لا أدعو في هذا المقال إلى المثالية، طبيعتنا البشرية تدعونا لتقييم أفعال الناس والنقاش في صحة هذا الفعل أو ذاك. كلنا لديه أفكار وقيم ومبادئ يعتقد بصحتها ويفضل أن يراها في غيره، لكن المشكلة هي عندما يأخذ هذا التقييم شكلا مختلفا وذلك بالحكم على الشخص نفسه لا على الفعل، أو عندما ينتقل التقييم إلى الإساءة للشخص وتشويه صورته بدلا من مناقشته في أفكاره. عندها فقط علينا مراجعة أنفسنا، وترك الحكم على الناس بالجنة أو النار لله وحده.

تم نشر هذا المقال في صحيفة مكة بتاريخ 30/01/2017

Advertisements