هرمون السعادة ..

هرمون السعادة ..

لاحظت مؤخراً أني أعاني من قدر كبير من التشاؤم. أصبحت اتذمر من كل شيء، من بداية يومي حتى نهايته.
في طريقك للعمل كل صباح تمر على عدد من الحفر التي تشبعك بقدر كافي من الطاقة السلبية. تقوم بمراوغاتك المعتادة لتفاديها، ترتسم على وجهك نصف ابتسامة لـ تحسنك الواضح في المراوغة مع الوقت، لكنك لا تلبث الا ان تفشل مجددا. هناك دائما مفاجأة جديدة. تستمع لتلقي سيارتك للضربات، فتبدأ صباحك بالدعاء بالويل والثبور لمن كان السبب. حتى سماعك لـ فيروز اصبح جزءًا من روتينك الصباحي ونادرًا ما ينجح في قلب الطاقة السلبية إلى إيجابية.

اراهن اني لست الوحيد المتشائم في هذا البلد، الكثير يمر بنفس الحالة، فهو أما عاطل، مديون أو فقير لا يملك ما يكفيه لإكمال نصف دينه.
بغض النظر عن هذا كله، قررت أن اتحلى بالقليل من الايجابية وابحث عن معادلة للسعادة. ماهي السعادة؟ أي توجد؟ وهل بالإمكان تواجدها في بلد متشبع بالسلبية؟

سأناقش مفهوم السعادة من ٣ نواح؛ ناحية فلسفية، علمية، وواقعية.

– الناحية الفلسفية:
يقول أرسطو أن الشرط الاساسي لتحقيق السعادة لدى الانسان هو أن تكون مستمدة من عمل أخلاقي، وان أي عمل لا يتحقق بواسطة وسيلة فاضلة فلن يؤدي للسعادة مهما كان.
يعتقد أرسطو أن السعادة هي غاية يسعى إليها الإنسان من أجل ذاتها بعكس الغايات الأخرى كالسلطة والمال مثلا.
إضافة للجانب الأخلاقي، يعتقد أرسطو أن الفضيلة العقلية أو تحصيل العلوم هو الشرط الآخر لـ تحقيق الكمال الذاتي ومن ذلك تحقيق السعادة.
بالطبع هذه المعادلة للسعادة لم تكن مقنعة للجميع. فكم من حاكم ظالم سعيد بسلطته وجوره؟ وكم من سارق غير متعلم سعيد بأمواله؟
مع ذلك يعتقد أرسطو أن السعادة بهذه الطرق هي مجرد لذة سطحية، ولا تحقق الكمال الذاتي باعتبارها ستدفع هذا الإنسان على الندم عاجلا أم آجلا.

جان جاك روسو كان له رأي آخر وقد يكون أكثر واقعية من مثالية أرسطو. يقول روسو؛ “السعادة تتكون من حساب بنكي جميل، وطاهية ماهرة، وهضم خال من المشكلات”
روسو يعتقد أن المال ركن أساسي لتحقيق السعادة، واجزم أن الكثير يوافقه في هذا الرأي. لكن ما مدى صحته؟
هناك دراسة تقول نعم هناك علاقة طردية بين المال والسعادة. كلما زاد المال كلما زادت سعادتك، لكن الدراسة تقول ايضا أن هذه السعادة اما ستتوقف عند حد معين من المال أو أنها ستفقد قيمتها مع الزمن.
مثال بسيط لإيضاح الفكرة: الموظف يحصل على زيادة سنوية مع راتبه. هل هذا يعني ان معدل سعادته يزداد سنويا أيضاً؟
الجواب: ليس بالضرورة. لأن زيادته السنوية ستصاحبها في الواقع التزامات حياتية وتغيرات اقتصادية وربما غلاء في الأسعار سترجعه في النهاية إلى نفس معدل سعادته في السنة السابقة.

الناحية العلمية:
كل انسان لديه جين أو هرمون للسعادة يولد معه ويختلف معدله من شخص لآخر، اسمه سيروتونين.
اكتشف الباحثون عدة أدوية من شأنها زيادة معدله في الجسم لعلاج حالات الاكتئاب. مع ذلك بعض الدراسات تقول أن الطرق الأنجع لزيادة معدل هذا الهرمون في الجسم هي طرق حياتية أكثر منها طبية.
الشوكولاتة على سبيل المثال لها القدرة على انتشالك من بعض حالات الاكتئاب وذلك لتأثيرها الإيجابي على معدل هذا الهرمون في الجسم ولو مؤقتًا.
باحث آخر يعتقد ان ممارسة التمارين، واتباع نظام صحي هي الطرق الأفضل لزيادة هذا الهرمون. يرى الباحث ان معدل سعادتك يزداد لأنه مستمد من شعور الرضا عن النفس وعن الجسم المصاحب للتمارين والنظام الصحي.

الناحية الواقعية:
وقفت عاجزا عن ربط بعض مواقف الحياة بالدراسات التي أجريت لقياس السعادة. أكثر محب للحياة صادفته هو عامل النظافة لـ دورات المياه في الشركة التي اعمل بها. يلقي التحية على الجميع في كل صباح. كل من في المبنى يعرفه، يبتسم في وجه الجميع ولم أراه متذمرا أو عابس الوجه في يوم من الأيام.
يشعرني بالخجل. سعادته لم تأتي من مال – لتدني راتبه – ولم تأتي من أهل – لابتعاده عن أهله – وحتى لم تأتي من وظيفته. ربما أتت من شخصه، وطريقة حياته.
ولعله الوحيد الذي طبق مقولة ايليا أبو ماضي؛ “كن جميلا ترى الوجود جميلا”

تشاؤمي أو تشاؤمك قد يكون مصدره عدم إيجادنا لمعادلة السعادة الخاصة بنا. كلنا مختلف. البعض قد يجدها في زوجة سعيدة، أو أم راضية أو ربما حساب بنكي وفير. المهم من هذا كله لا تحصر سعادتك في لذات مؤقتة.
السعادة، كما أراها، طريقة حياة وليست غاية.

مهتدى
June, 14. 2013

المصادر:
Young, S. 2007. How to increase serotonin in the human brain without drugs
Inglebart, R and Klingemann, H. Genes, Culture, Democracy, and Happiness.
Parker, G. 2006. Mood state effect of chocolate.
إبراهيم النجار. مدخل إلى الفلسفة.

كيف يغتصبون عقلك؟

كيف يغتصبون عقلك؟

التحكم والسيطرة على الآخر نزعة موجودة في الانسان. قد تختلف حدتها واهدافها من شخص لآخر لكن هذا لا يعني تلاشيها تماماً. ألق نظرة بسيطة من حولك. الحكومة مع الشعب، المدير مع موظفيه، و الأب مع أبنائه. هناك دائماً علاقة حاكم و محكوم، او قائد و تابع.
مصدر التحكم هو اما نظامي وذلك باتباع القوانين التي سنتها الحكومة مثلا، او اجتماعي وذلك باتباع أوامر والدك مثلا.

بالإضافة لهذا كله، هناك مصدر تحكم خفي، قد يكون أثره أقوى من أساليب التحكم الظاهرة. يختلف عن الأساليب الظاهرة بانك تؤمن به لا شعوريا. يتحكم بك، وتسانده. وقد يختار لك مسار حياتك و مجال تفكيرك ومع ذلك تبقى تدافع عنه. مصدر التحكم هذا هو الفكر والاعتقاد عندما تطغى عليه الأيديولوجية.

ما هي الأيديولوجية؟
اختلف الكتّاب في تفسيرها، لكنهم اتفقوا في النهاية على تأثيرها في تضييق مدى التفكير لدى الانسان و حشره في زاوية ضيقة ليرى الأمور من جهة واحدة فقط.
البعض فسرها بأنها أفكار “خاطئة” يتم بثها في المجتمع في الغالب لتحقيق اهداف سياسية. من أمثلتها النظام النازي لـ هتلر و النظام الحالي في كوريا الشمالية.

البعض الآخر فسرها بأنها مجموعة من الأفكار والمعتقدات التي يؤمن بها الانسان لتساعده على إعطاء معنى لما يجري حوله من احداث. هذه المعتقدات تختلف من مجتمع لآخر وذلك لتأثرها بالثقافة، الدين أو القيم العامة في البلد.

الأيديولوجية بتفسيرها الثاني قد تكون اكثر وضوحا في مجتمعنا، و سأذكر عدة أمثلة لأبين ذلك.
خذ على سبيل المثال اي خلاف يحصل بين الزوج و زوجته لاختلاف في وجهات النظر. هذا الخلاف بحد ذاته لا علاقة له بأي أيديولوجية. لكن عندما يبدأ الزوج مثلا بإعطاء تفسيرات ان حصول هذا الخلاف يرجع لخصائص تكوينية يؤمن “هو” بوجودها في الأنثى كـ قول انها قاصر او انها “ناقصة عقل و دين”، عندها من الممكن القول ان هذا الزوج مؤدلج. عقل هذا الزوج تم اغتصابه بأفكار و معتقدات تم تبنيها في مجتمعه منذ سنوات، منذ أيام الجاهلية، لتخدم فئة معينة. آمن بها من دون تفكير، و ها هو مجتمعنا يعاني من تبعاتها الى الآن. سبب استمرار هذا الفكر الى الآن هو إضفاء لمحة دينية عليه، و ايهام الناس انه من اساسيات الدين. وبما اننا شعب تعلم التلقين، استمر الآباء والأمهات بتربية أولادهم على هذا الأساس.

نعم، هذه الأيديولوجية ليست قاصرة على مجتمعنا، حتى مجتمعات اوروبا عانت منها لفترة من الزمن، لكنها تجاوزتها بمراحل. الفكر القائم على ان المرأة كائن قاصر القدرات والتفكير بدأ بالتلاشي في اوروبا مع مطلع الحرب العالمية الثانية عندما بدأت المرأة في لعب دور مهم في الحياة العملية. الحاجة للمرأة هي من كانت كفيلة بتحرير عقل الكثيرين من اي أفكار أيديولوجية.

مارجريت ثاتشر (المرأة الوحيدة التي وصلت لمنصب رئيسة وزراء بريطانيا) مثال جميل لامرأة حاربت الفكرة الدونية لبنات جنسها. يحضرني هنا ردها لصديقها عندما أراد الزواج بها. رد يختصر الكثير و يعزز من مكانة المرأة المنسية بسبب فكر ايديولوجي منحاز للذكور في المجتمع. تقول ثاتشر؛
“أنا احبك، لكني لن اكون أبدا احدى تلك النساء اللاتي يصمتن ويختفين تحت جنح أزواجهن، او ان اقضي معظم وقتي بين الطبخ، والغسيل ورعاية الأطفال. يجب ان يكون لحياة الانسان معنى. معنى أسمى من ذلك كله”
(مصدر كلامها هو الفيلم الذي حكى قصتها، لذلك لك الحق ان تشكك في مصداقيته، لكن يظل يحمل خلفه بعض المعاني الجميلة)

مثال آخر؛ عندما تسمع عن جريمة قتل، ثم توصلك تحليلاتك العبقرية ان وقوع الجريمة يرجع فقط لكون القاتل يتبع المذهب الشيعي او السني، هنا كن متأكدا ان عقلك لم يعد ملكك، وقد تم اغتصابه بالكامل عن طريق فكر ايديولوجي تبنّاه مجتمعك و اجبرك على تصديقه. العجيب انه اجبار لكن بكامل ارادتك. كارل ماركس يفسر هذه الظاهرة بـ “الوعي الخاطئ”. اي انك تعي المشكلة، لكن تفسيرك لها تم تقييده بسبب فكر أيديولوجي في مجتمعك. هذا الفكر نراه ونسمعه في مجتمعنا كل يوم، في تويتر، في الاعلام و حتى في الأحاديث اليومية. ركز جيدًا عند سماعك للأخبار؛ “شيعي” يقتل اطفال أبرياء في سوريا. و “سني” يفجر مجالس للشيعة في العراق.
لاحظت؟ تم اغتصاب عقلك و تقييد مجال تفكيرك بكامل رضاك و دون الحاجة لأي من أساليب التحكم الاعتيادية.

تغيير فكر أيديولوجي في المجتمع ككل ليس خيارا متاحًا على ارض الواقع. لذلك الأمل يبقى في إرادة الفرد نفسه لتحرير عقله من اي قيود يفرضها عليه مجتمعه. وصولك لنهاية التدوينة بادرة جميلة للتغيير. هذه التدوينة لك انت. حرّر عقلك ..

مهتدى المزعل ..
07/10/2012

المصادر:
Eagleton. 1991. What is ideology?

An end of a journey

I’m writing this while at the airport. Boarding to Saudi in an hour.

This is it. A journey of 4 years has come to an end.
I can never define my feelings. I surely am happy. My hard work over the last 4 years has paid off and I gladly graduated. Yet, leaving Britain can never be easy. It is indeed, bittersweet.

The 4-years-period has changed me as a person. It Taught me lessons & gave me experiences, which I don’t think I would have gained while in Saudi.
I used to be a follower, in everything. You can’t blame me, breaking the norms back home can be a serious offence. I hence never had the courage to even think differently. If Britain has given me nothing, I would still be thankful for the space it gave me to live independently and hence think differently.

They have been by far the most fruitful 4 years in my life. Full of unforgettable memories. I will always remember our reading club & the weekly meetings we had at Cafe Nero. And I will always remember the everyday-lessons I had, from friends, colleagues and even from taxi drivers.

I herby leave behind me great memories, amazing friends, and a whole experience to remember. Yet, it is just the beginning.

التعصب العاطفي .. كارثة!

هل تعتبر نفسك انسان متعصب لرأيك؟ ام انت من من يلتزمون الحياد ومنطق الوسطية في نقاشاتهم؟

بطبيعة الحال كل منا له آراء و وجهات نظر تختلف عن الآخر لذلك من الطبيعي جدا أن يغلب على بعض آرائنا شيء من التعصب. الدكتور علي الوردي يؤكد على هذا الشيء ويعتقد ان التعصب صفة سائدة و طبيعية في الانسان, و الحياد هو مجرد أمر طارئ عليه و قد يندر وجوده. لكن ما ضرر هذه الصفة, وما هي أسبابها الحقيقية؟ وهل من الممكن التخلي عنها؟

أعتقد أن أكثر التعصب الذي نراه يرجع الى اسباب عاطفية وليست عقلانية وهنا يكمن ضرر هذه الصفة. اقصد بالتعصب العاطفي هنا التسليم المطلق بصحة آراء تم تبنيها بسبب العيش في بيئة معينة وليس بالضرورة ان تكون لها دلالات عقلانية خارج إطار تلك البيئة.

الرجوع إلى أساس تكوين الفكرة أو الرأي عند الانسان قد يساعدنا أكثرعلى فهم العلاقة بين التعصب للرأي و الجانب العاطفي. بعض الباحثين أجروا دراسة لقياس كيفية عمل العقل البشري في تكوين الرأي واعطاء معنى لما حوله. تقول الدراسة أن كل معلومة يتلقاها العقل هي في أصلها بلا معني. المعلومة بطبيعتها مجردة و ليس لها قيمة. الخطوة الأولى التي يقوم بها العقل هي البحث عن علاقات ونقاط اتصال بينه وبين المعلومة ويحاول إضفاء معنى لها بحسب محيطه أو بحسب القناعات التي تعايش معها. هنا بعض الصور توضح هذه الفكرة. البعض قد يراها أنها مجرد خدع بصرية, لكنها في الواقع تبين مدى اختلاف اعطاء المعنى للصورة نفسها من شخص لآخر بسبب بيئته أو حتى بسبب مرحلته العمرية.

تقول الدراسة ان الطفل يرى الصورة التالية بشكل مغاير لما يراه الشاب مثلا

إذاً من الممكن القول ان الانسان يرجع اي معلومة جديدة الى خبراته السابقة المتعايش معها ليضيف معنى او منطق لما تلقاه. الانسان بطبيعته يبحث عن ما يساند هذه التصورات المتعايش معها فيبدأ – لا شعوريا –  بعمليات تنقيح يختار من خلالها ما يوافق تفكيره من جريدة, او قناة تلفزيونية أو حتى الخطيب الذي يستمع إليه. حتى مع عمليات التنقيح هذه, يصطدم الانسان بين الحين والآخر بمعلومات تخالف قناعاته المتعايش معها مما يحدث له اضطراب واستفزاز لمشاعره  يجعله في أغلب الأحيان يرفض الامر بعصبية (تعصب عاطفي). حدة هذه العصبية تختلف باختلاف وعي الشخص وباختلاف مدى تمسكه وارتباطه ببئته.

اعتمادًا على هذه الدراسة من الممكن القول أن بداية تكوين الرأي هي عاطفية وذلك يرجع لمحدودية الجانب المعرفي لعقل الانسان عند مقابلته لأي معلومة جديدة. في الحالة الطبيعية, يكون العقل في عملية تجديد مستمرة فيبدأ –  بازدياد اطلاعه –  بإضافة دلالات عقلانية لأفكاره. لكن الحالة المنتشرة في مجتمعاتنا هي استمرار غلبة الجانب العاطفي على آرائنا فينتج لنا تعصب أعمى يرى الأمور من منظور واحد فقط. الهجوم على الدكتور عدنان ابراهيم والدكتور حسن المالكي من الجانب السني و على السيد محمد فضل الله  والدكتور علي شريعتي من الجانب الشيعي مثلًا يثبت وجود هذه الظاهرة في مجتمعاتنا. انا لست بمقام أن أصحح أو أخطئ ما جاؤا به, لكنهم أثبتوا لنا تحررهم من الجانب العاطفي, خرجوا عن الرأي السائد وبدأوا بطرح تساؤلات عن ما يعتبره الأغلبية في مجتمعاتهم مسلَمات لا خلاف فيها.

 الحل لتقليل أثر الجانب العاطفي علينا هو القبول بأن اللوحة الكاملة للكون تحتمل أكثر من معنى (كما وضحت في الصور السابقة) وأن آرائنا تمثل تفسير واحد فقط. انتقادك لذاتك قد يتيح لك فرصة للنظر لآراء غيرك بنظرة أكثر انفتاحًا و أقل تعصبًا. يقول السيد محمد فضل الله ..” ان تكون انساناً, أن تخرج من سجن ذاتك”. نعم, قد يكون رأيك الذي استقيته من بيئتك هو الصواب, لكن تعصبك العاطفي له قد يمنعك من النظر الى الصورة كاملة واكتشاف ان غيرك قد يكون على صواب أيضًا وقد يسلب منك هذا التعصب شعور التسامح تجاه الآخر. وكما يقول فولتير .. “كن شديد التسامح مع من خالفك الرأي فإن لم يكن رأيه كل الصواب فلا تكن انت كل الخطأ بتشبثك برأيك”

مهتدى المزعل

27/04/2012

أنت إنسان .. فاسد!

الجميع يطمح إلى تكوين مجتمع مثالي, يضمن العدل والمساواة لكل أطياف المجتمع, و لا يتخلله أي فساد أو ظلم. على الرغم من اتفاق الجميع – أو الأغلبية – على هذا الطموح, لا تزال مجتمعات العالم تضج بالفساد (باختلاف درجاته من مجتمع إلى آخر). إذا أين يكمن الخلل؟

الدراسات الاجتماعية فسرت ظاهرة الفساد أو الظلم عموماً بأنها متصلة بطبيعة النفس البشرية. من طبيعة الانسان أن يظلم إذا لم يجد ما يمنعه من الظلم جدياً. حتى الظالم قد لا يرى أفعاله ظلماً إما بسبب رؤيته لأفعاله من منظور مصلحته الشخصية, أو لأن من حوله يبارك له في أفعاله ولا يبين له أن فيها ظلماً لغيره. لذلك يمكننا القول أن طبيعة الانسان السعودي لا تختلف عن طبيعة الانسان الأوروبي مثلاً. أي شخص قد تسيره و تتغلب عليه مطامعه الشخصية في فترة من فترات حياته وتجعله يظلم غيره. لكن السؤال, ما الذي جعل الفساد متفشي في مجتمعنا السعودي, وجعله يتواجد بنسب أقل في دول أوروبا؟

أعتقد أن التفسير الأقرب لصلاح أخلاق الانسان الأوروبي أو لقلة نسبة فساده هو شعوره المستمر بالخوف من مراقبة من حوله له. من طبيعة الانسان أن يراقب تصرفاته ويكون حذر من أن يظلم غيره اذا شعر بوجود من يراقب تصرفاته على الدوام. هناك تجربة قام بها الفيلسوف الانجليزي جيرمي بينثام في أحد السجون الانجليزية قديماً تُعرف بـ “البنابتيكون” تساند هذا التفسير. الفيلسوف الانجليزي صمم بناء هندسي لأحد السجون يكون فيه برج المراقبة محاط بزجاج عاكس يجعل من المستحيل معرفة وجود الحارس في برج المراقبة أم لا. هذا التصميم يهدف إلى إشعار السجناء بأنهم تحت المراقبة على الدوام – حتى في ظل عدم وجود من يراقبهم أصلا-. أثبتت التجربة أن السجين يؤدب نفسه بنفسه وذلك لعدم معرفته بوقت وجود الحارس في برج المراقبة.

هذه التجربة متأصلة في أنظمة المجتمع الأوروبي. الشعب, الصحافة والإعلام بشكل عام كلها عوامل تحل محل “البنابتيكون”. الانسان في أوروبا يضطر لأن يتعامل بشفافية وأن يعمل بضمير صادق ليس لأن أخلاقياته أفضل من أخلاقيات الانسان السعودي, لكن لشعوره بأنه تحت مراقبة الشعب على الدوام.

في مجتمعنا نفتقر لنظام مراقبة يعمل بهذه الطريقة, بل على العكس بعض أنظمتنا تعاكس عمل “البنابتيكون” و تحفز على الفساد بطريقة غير مباشرة. العلم بوقت زيارة المسؤول لشوارع المدينة على سبيل المثال يزيل رهبة الخوف من مراقبة المسؤول, و يزيل الاحساس بالمسؤولية الدائمة تجاه عملنا, وبذلك يعطينا الوقت الكافي لتغطية ما اقترفته أيدينا من فساد. في مجتمعنا عامل “الخوف من الله” هو البنابتيكون الوحيد لدينا. نحن نشعر بمراقبة الله لنا على الدوام لكن للأسف هذا العامل لم يثبت نجاعته في إيقاف الفساد لدينا لأن أثره العكسي غير محسوس, و قد لا يؤثر إلا في من وصل إلى كمال الإيمان. لذلك, قد يكون من المستحيل القضاء على فساد الانسان بشكل تام, لكن إعطائه إشارة بأنه تحت مراقبة مستمرة سيقلل من نسبة فساده بشكل كبير كما هو الحال في المجتمع الأوروبي.

و كما يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو ” الخضوع يولد من علاقة وهمية. الشخص الذي يشعر بأنه تحت المراقبة, سيتأدب بشكل عفوي و تلقائي”

مهتدى المزعل

30/03/2012

للاطلاع أكثر على تجربة البنابتيكون:

http://en.wikipedia.org/wiki/Panopticon

إلى أمي ..

يا وردةَ القَلبِ يا ريحَانةَ الروحِ التي .. نثَرَت شذاهَا في سمَا أكواني

 

يا جنَةَ الفردوسِ يا مَن جاهَدَت .. طولَ السنينِ لـ تصيرَ لي سكناً منَ الأهوالِ

 

أحببتُكِ دونَ النِساءِ لأنَكِ .. أسقيتِني طعمَ السعَادةِ والسرورِ مذ نمَت أظفارِي

 

كنتِ لا بل لا زِلتِ لي وطَناً .. أحنو إليهِ بِشوق ٍ طولَ أيام اغترابي وأسفاري

 

العُذرُ يا أُمِي على ما كنتُ مقترفاً .. بحَقِكِ واعلمي أنَ رضاكِ هو الرَجاءُ ومُنتهى آمالي

 

وها أنا اليوم أنحني خَجلاً ومعترفاً .. بِتقصيري فلا اليوم عيدُكِ لا بل أنتِ عيدي في كُلِ أيامي

===============

أمي ..

يا جنَة الأرضين و الأكوان وكل المجرَات

يا أجملَ ما وهبَ لي ربُ السماوات

انتِ نبع الحب .. ملاك الكون وجميلة الجميلات

انتِ عشقي الأول .. لتعذرني حبيبتي .. فـ ما الجنة الا تحتَ اقدامِ الأمَهات  

كم أتعبني الفراق

سفرٌ وغربةٌ و اشتياق

ذكراكِ هي ما تسعدني في الصباحِ وفي المساء

همس صوتكِ و ابتسامتكِ  .. هي أجملُ ما أحملُ من ذكريَات

لكنَني أحياناً .. أكره نفسي .. أحتقرها .. و أشعرُ بالإستياء

فـ لم أقدر جمال روحكِ حتى حان وقت البعد و الاغتراب

تقصيري في حقكِ يؤلمني .. و نفسي تؤنبني ..

 سامحيني .. ولا تحرميني من الدعاء

 أحبكِ ..

مهتدى المزعل

21/03/2012

هل ستتناول الكعك .. أم ستستمر في أكل الحلوى؟

بلغ سن الرشد ..

هناك محاولات مستميته  ممن حوله لإقناعه بتناول الكعك ..

الجميع يردد نفس الجملة  “لديك المال اللازم, ماذا تنتظر؟”

لكن .. هل المال كل شيء؟

 تعوَد على أكل الحلوى لأكثر من 20 سنة .. فأصبحت مجرد فكرة التغيير لـ نمط حياته تخيفه ..

حاولوا إزالة خوفه بإخباره بـ جمال شكل الكعكة ولونها ..

 أخبروه بأن الجميع يتحدث عن مذاقها .. وأنها سـ تكون – حسب رؤيتهم –  مصدر سعادته ..

لذلك .. عليه أن يتحلى بالإيمان – كما يقولون –  ويثق في اختيارهم ..

كانت محاولة بائسة .. ما زالت هذه الخطوة تخيفه ..

هو يؤمن باختلاف الأذواق .. ما يرونه مناسباً ليس بالضرورة أن يناسبه ..

سيدفع كل ما يملك من أجل هذه الكعكة .. سـ يتناولها وحده .. لذلك ليس هناك مجال للخطأ .. وحده سـ يتحمل تبعات قراره ..

حاولوا إقناعه بطريقة أخرى .. أخبروه بإمكانية ذهابه لـ محل الكعك – مرة واحدة –  ورؤية الكعكة بنفسه ..

“سنراقبك من بعيد, انظر للكعكة, وإن كنت محظوظا سيسمح لك صاحب المحل بنظرة مطوَلة, لكن تحت ناظريه بكل تأكيد”

هكذا قالوا له ..

أصبح في حيرة من أمره .. هي نظرة واحدة فقط .. سـ تحدد مصير حياته ..

متوقع منه في دقائق معدودة أن يكون سريع البديهة .. أن يخمِن مذاق الكعكة  ويتخذ قراره بناءً على شكلها الخارجي ..

الجدير بالذكر أن رفضه للشراء في هذه النقطة قد يؤدي لغضب صاحب المحل .. و ربما احتقار مجتمعه له .. مما زاد من مخاوفه ..

سيتناول هذه الكعكة كل يوم في حياته ..  لذلك كان يتسائل .. هل الشكل الخارجي كل شيء؟

من ماذا تتكون؟ كيف تم صنعها؟ أليس من الممكن أن بعض مقاديرها قد تسبب له الحساسية؟ ..

مجتمعه يضج بحالات “التسمم” .. لذلك لا يريد ان يترك المسألة للصدفة ..

ثم استطرد في التساؤل ..

ماذا عن الكعكة؟ أليس من حقها معرفة المزيد عمن سيتناولها؟ عن طريقة أكله و تقطيعه لها .. هل ستؤلمها؟ هل تناسبها؟

تم اتهامه بالجنون .. في مجتمعه الكعكة هي مجرد سلعة لا يحق لها معرفة الزبون عن قرب حتى يدفع المبلغ كاملاً ..

أخبرني قصته وهو لا يزال حائراً في أمره ..

هو يبرر مخاوفه من هذه الخطوة بأنه يعتبرها مغامرة .. ويعتقد أن التغاضي عن مثل هذه المخاوف قد تؤدي لعزوف الكثير عن تناول الكعك وتكدسه في المحلات .. وأن استمرار معاملتنا للكعكة بأنها مجرد سلعة أهم ما فيها هو مظهرها الخارجي قد يزيد من حالات “التسمم” ..  

لكن على النقيض من ذلك كله .. هناك من يسخر من طريقة تفكيره .. يتهمه بتجاوز الحدود المتعارف عليها .. و يعتبر مخاوفه بأنها مجرد دلالات على ضعف في إيمانه ..  

 

 

 

مهتدى المزعل

 16/03/2012

    

 

مجتمعنا والخوف من التغيير

التغيير عامل رئيسي ومتلازم لحركة المجتمعات. مع التطور المستمر, أصبح التغيير حاجة  ملحة لمواكبة احتياجات العصر والقبول والتسليم بـ الوضع المعيشي للآباء والأجداد لم يعد يلبي احتياجات أبناء المجتمع الحالي. أقصد بالتغيير هنا الانتقال العام من حال إلى حال, على كافة الأصعدة سواء اجتماعيا, سياسياً  أو حتى شخصياً.

في مجتمعنا التغيير دائماً محارب. تطالب به فئة وترى فيه صلاح المجتمع وتحاربه أخرى وترى فيه انفتاح غير مقبول وفتنة, وخراب للشعب. على الصعيد الاجتماعي, أمثلة كثيرة أثبتت خوف مجتمعنا من التغيير, من بداية رفض التعليم للبنات في عهد الملك فيصل إلى مسألة رفض قيادة المرأة في المجتمع الحالي. على الصعيد الشخصي, التغيير أيضا محارب. مجرد تغير تفكير الشخص على سبيل المثال أو الايمان بقيم لم يربيه عليها مجتمعه ستضعه تحت طائلة الرفض من مجتمعه وربما عائلته.

هل هذه المشكلة (الرفض المستمر لأي تغيير) مرتبطة بمجتمعنا فقط ؟ أم هل هي ظاهرة اجتماعية طبيعية؟

بالاعتماد على نظرية كوبلر في التعامل مع التغيير, تنبه علماء الاجتماع على ان “محاربة  ورفض التغيير” ظاهرة اجتماعية وليست مجرد حالات شخصية. تم الاعتماد على هذه النظرية في تفسير ردات فعل الانسان عند مواجهته لأي تغيير سواء في وظيفته, صحته, أو حياته بشكل عام. تقول النظرية أن طبيعة الانسان مجبولة على الاطمئنان ورفض التغيير, و عند مصادفة الانسان لأي تغيير في حياته سيدخل – لا اراديا –  في سلسلة من ردات الفعل وهي كالآتي:

  1. الصدمة: ردة الفعل الطبيعية هوشعور الانسان بعدم الاتصال لما حدث من تغيير حوله, وذلك قد يكون لمخالفته لقناعاته المسبقة.

  2. الرفض: بعدها يبدأ الانسان برفض التغيير جملة وتفصيلا. تختلف طرق الرفض من شخص إلى آخر, فهو قد يرفض بصمت, وقد يبدأ بحملة تهويل وتخويف لمن حوله بالإشارة إلى خطر التغيير وما قد يسببه من “فتنة” غير مرغوب فيها.

  3. القبول: هنا يبدأ الانسان بالتسليم بما حدث من تغيير وذلك قد يكون بعد رؤيته لنجاح ما حدث من تغيير حوله وبعد فشل حملته المعارضة في اقناع الناس للعدول عن التغيير.

  4. التكيف والمساندة: ردة الفعل الأخيرة هي الاقتناع بما حدث من تغيير ومساندته.

قد يأخذ الانسان عدة أشهر ليصل لمرحلة الاقتناع وقد يأخذ مجرد لحظات وقد لا يصل أيضاً. الخلاصة أن الخوف و محاربة التغيير ليست خصوصية سعودية. لكن قد يُعاب على الانسان في مجتمعنا البطء في الانتقال من ردة فعل الى أخرى والمبالغة في الرفض. نقضي معظم الوقت في رفض أي تغيير وذلك إما بسبب خوفنا مما قد يسببه من خسارة لنا على الصعيد الشخصي, أو بسبب تمسكنا بعادات وتقاليد تم ربطها بالدين قسراً. ومن هنا تبدأ حملات الرفض بإيهام الآخر بنظرية المؤامرة, حيث يفاتح الابن أباه بأفكار جديدة قد تخالف قناعاته, فيرفضها ويبدأ في لوم عوامل خارجية كـ الجيران و “أصحاب السوء” وإيهام الابن بخطرهم وأنهم يتربصون به.

الحل المثالي لنجاح التغيير وصلاح المجتمع هو إقناع الآخر (المعارض للتغيير) بأهمية التغيير للمصلحة العامة و وجوب التضحية ولو بالقليل من مصلحته الشخصية. لكن عمليا لا يمكن تطبيق هذا الحل وذلك لطبيعة النفس البشرية التي سترفض أي تغيير قد يهدد مكانتها الشخصية مهما حاولت في الوعظ والنصح. الحل السياسي قد يساعد في اقناع الناس بالتغيير. أقرب مثال لذلك  قرار دخول المرأة في مجلس الشورى. مشاركة المرأة في الشورى تحولت من رفض مجتمعي الى قبول وترحيب بعد صدور القرار من السلطات العليا. لكن يبقى الحل الأمثل والأهم برأيي هو التحرر من بعض العادات والتقاليد التي بسببها بقي مجتمعنا متأخرًا عن باقي المجتمعات. عادات وتقاليد مجتمعنا تستمر في رسم خطوط حمراء لنا, توهمنا بأنها من الدين, و تعرقل أي حركة للتغيير بحجة “عرف المجتمع”. هذه العادات والتقاليد هي سبب ركود المجتمع وهي سبب مبالغتنا في رفض أي تغيير.

وكما يقول ابن خلدون: ” اتباع التقاليد لا يعني أن الأموات أحياء, بل أن الأحياء أموات”

مهتدى المزعل

02/03/2012

للاطلاع على نظرية كوبلر:

http://en.wikipedia.org/wiki/K%C3%BCbler-Ross_model

مجتمع الفكرة الواحدة ..

مجتمعنا إقصائي, بشكل مخيف. يؤمن بوجود رأي صائب واحد لا يقبل أن تخالفه ومخالفته تضعك تحت قفص الاتهام.مجتمع يضج بالتصنيفات. مذهبيا هناك السني والشيعي, اجتماعيا هناك  المثقف والمحافظ, فكريا انت اما اسلامي او لبرالي.

ظاهرة التصنيف ليست هي المشكلة بحد ذاتها والمشكلة ليست في الاختلاف الفكري أو المذهبي, بل في تعاملنا مع هذا الاختلاف. في مجتمعنا تربينا على نقض التعددية ورفض الآخر. في عقل كل واحد منا مجموعة صناديق فيها احكام مسبقة لذاك “الشيعي” وذاك “السني”. كلمة شيعي قد تكون مرادفة لكلمة زنديق عند بعض السنة. وكلمة سني قد تعني ان صاحبها لا يدخل الجنة عند بعض الشيعة! أحكام مسبقة خلفت الكثير من الحواجز, وصدامات كثيرة, جعلت من التعايش مسئلة شبه مستحيلة. نعم .. شبه مستحيلة والسبب هو تأصل مبدأ الفكرة الواحدة في مجتمعنا, وان أي رأي أو فكر له جانب صائب واحد فقط. طبيعة الانسان ستحتم عليه رفض مبدأ التعايش – حتى وإن أظهر قبوله به –  طالما عقله الباطن يوهمه بامتلاكه للحقيقة المطلقة وأن من يخالفه في المذهب, أو الفكر هو جاهل, مخطأ, ملحد أو زنديق!

ما السبب الرئيسي الذي أدى لتفشي هذه المشكلة؟ هل المشكلة في أفراد المجتمع؟ في المنظومة الاجتماعية كاملة؟ أم في السلطة السياسية؟

 المجتمع بكامل مكوناته ساهم بشكل كبير في انشاء بيئة متشددة ومنحازة لمبدأ الفكرة الواحدة, وما الفرد إلا ضحية لهذه البيئة. الخطاب الديني له دور في ذلك حيث نرى أن الوجه السائد في نظام الوعظ لدينا هو مهاجمة الرأي الآخر و تأسيس لثقافة الرفض والتجريم لأي فكرة مخالفة, مما أدى لنشوء جيل متشدد, أحادي النظرة ويرفض الاختلاف. النظام المدرسي من جهة ثانية أيضا ساهم في نشوء هذه المشكلة وذلك لافتقار مدارسنا لصفوف الحوار والمناقشات مما ألغى فكرة التعددية من قاموس الطلاب و جعل من ثقافة الفكرة الواحدة هي السائدة.

البعض قد يحمل السلطة السياسية جزء من المسؤولية بسبب عدم وجود قانون يجرم التعدي على معتقدات الآخر أو يجرم حملات التكفير ضد كتاب الرأي أو ضد أي فكرة “دخيلة” على المجتمع. عدم وجود مثل هذه القوانين أعطى مجال لحرية غير مسؤولة وتناحر علني وعزز من مبدأ رفض الآخر. لكن هل القانون سيقضي على المشكلة؟ لا أعتقد ذلك. القانون سيخفف فقط من السخط العلني ولن يتعامل مع جذر المشكلة, و قد يكون له تأثير سلبي بتكوين مجتمع منافق ظاهره متعايش, وباطنه يضج بالكراهية والتناحر.

إذا ما الحل؟

الحل هو أن نبدأ أنا وأنت بالتغيير. بأن نعيد صياغة معنى التعايش. لا أن نتعايش باختلافاتنا, بل أن نتعايش بنسيان أننا مختلفين (فكريا أو مذهبيا) من الأساس. اعتبر من تحاوره يحمل أفكاراً مختلفة, لا فكراً مختلفاً. هذا سيبعدك عن دائرة التصنيفات و الأحكام المسبقة. انظر لأي فكرة تخالفك كقطعة شوكولاته داكنة. جربها. إن وجدتها مرة, فلا أحد سيجبرك على إكمالها. لكن لماذا تكره من يأكلها؟  وبماذا سيضرك إن أُعجب بها غيرك؟

سنحقق هذا التعايش عندما نؤمن بتعددية الأفكار و ننبذ ثقافة الخطأ والصواب. يقول سقراط “لا أحد يخطئ متعمدا”. لذلك وصولنا لدرجة الاطمئنان في أفكارنا لا يعني بالضرورة  أن من خالفنا قد جانب الصواب. ولا يعني بالضرورة امتلاكنا للحقيقة المطلقة. فكما لأفكارنا دلالات أوصلتنا لدرجة اليقين بصحتها, لغيرنا دلالاته التي أوصلته لليقين والاطمئنان.

وكما يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه:  “لك طريقتك ولي طريقتي. أما عن الطريقة الصحيحة، والطريقة المثلى، والوحيدة فلا وجود لها”

مهتدى المزعل

16/02/2012