هل ستتناول الكعك .. أم ستستمر في أكل الحلوى؟

بلغ سن الرشد ..

هناك محاولات مستميته  ممن حوله لإقناعه بتناول الكعك ..

الجميع يردد نفس الجملة  “لديك المال اللازم, ماذا تنتظر؟”

لكن .. هل المال كل شيء؟

 تعوَد على أكل الحلوى لأكثر من 20 سنة .. فأصبحت مجرد فكرة التغيير لـ نمط حياته تخيفه ..

حاولوا إزالة خوفه بإخباره بـ جمال شكل الكعكة ولونها ..

 أخبروه بأن الجميع يتحدث عن مذاقها .. وأنها سـ تكون – حسب رؤيتهم –  مصدر سعادته ..

لذلك .. عليه أن يتحلى بالإيمان – كما يقولون –  ويثق في اختيارهم ..

كانت محاولة بائسة .. ما زالت هذه الخطوة تخيفه ..

هو يؤمن باختلاف الأذواق .. ما يرونه مناسباً ليس بالضرورة أن يناسبه ..

سيدفع كل ما يملك من أجل هذه الكعكة .. سـ يتناولها وحده .. لذلك ليس هناك مجال للخطأ .. وحده سـ يتحمل تبعات قراره ..

حاولوا إقناعه بطريقة أخرى .. أخبروه بإمكانية ذهابه لـ محل الكعك – مرة واحدة –  ورؤية الكعكة بنفسه ..

“سنراقبك من بعيد, انظر للكعكة, وإن كنت محظوظا سيسمح لك صاحب المحل بنظرة مطوَلة, لكن تحت ناظريه بكل تأكيد”

هكذا قالوا له ..

أصبح في حيرة من أمره .. هي نظرة واحدة فقط .. سـ تحدد مصير حياته ..

متوقع منه في دقائق معدودة أن يكون سريع البديهة .. أن يخمِن مذاق الكعكة  ويتخذ قراره بناءً على شكلها الخارجي ..

الجدير بالذكر أن رفضه للشراء في هذه النقطة قد يؤدي لغضب صاحب المحل .. و ربما احتقار مجتمعه له .. مما زاد من مخاوفه ..

سيتناول هذه الكعكة كل يوم في حياته ..  لذلك كان يتسائل .. هل الشكل الخارجي كل شيء؟

من ماذا تتكون؟ كيف تم صنعها؟ أليس من الممكن أن بعض مقاديرها قد تسبب له الحساسية؟ ..

مجتمعه يضج بحالات “التسمم” .. لذلك لا يريد ان يترك المسألة للصدفة ..

ثم استطرد في التساؤل ..

ماذا عن الكعكة؟ أليس من حقها معرفة المزيد عمن سيتناولها؟ عن طريقة أكله و تقطيعه لها .. هل ستؤلمها؟ هل تناسبها؟

تم اتهامه بالجنون .. في مجتمعه الكعكة هي مجرد سلعة لا يحق لها معرفة الزبون عن قرب حتى يدفع المبلغ كاملاً ..

أخبرني قصته وهو لا يزال حائراً في أمره ..

هو يبرر مخاوفه من هذه الخطوة بأنه يعتبرها مغامرة .. ويعتقد أن التغاضي عن مثل هذه المخاوف قد تؤدي لعزوف الكثير عن تناول الكعك وتكدسه في المحلات .. وأن استمرار معاملتنا للكعكة بأنها مجرد سلعة أهم ما فيها هو مظهرها الخارجي قد يزيد من حالات “التسمم” ..  

لكن على النقيض من ذلك كله .. هناك من يسخر من طريقة تفكيره .. يتهمه بتجاوز الحدود المتعارف عليها .. و يعتبر مخاوفه بأنها مجرد دلالات على ضعف في إيمانه ..  

 

 

 

مهتدى المزعل

 16/03/2012

    

 

مجتمعنا والخوف من التغيير

التغيير عامل رئيسي ومتلازم لحركة المجتمعات. مع التطور المستمر, أصبح التغيير حاجة  ملحة لمواكبة احتياجات العصر والقبول والتسليم بـ الوضع المعيشي للآباء والأجداد لم يعد يلبي احتياجات أبناء المجتمع الحالي. أقصد بالتغيير هنا الانتقال العام من حال إلى حال, على كافة الأصعدة سواء اجتماعيا, سياسياً  أو حتى شخصياً.

في مجتمعنا التغيير دائماً محارب. تطالب به فئة وترى فيه صلاح المجتمع وتحاربه أخرى وترى فيه انفتاح غير مقبول وفتنة, وخراب للشعب. على الصعيد الاجتماعي, أمثلة كثيرة أثبتت خوف مجتمعنا من التغيير, من بداية رفض التعليم للبنات في عهد الملك فيصل إلى مسألة رفض قيادة المرأة في المجتمع الحالي. على الصعيد الشخصي, التغيير أيضا محارب. مجرد تغير تفكير الشخص على سبيل المثال أو الايمان بقيم لم يربيه عليها مجتمعه ستضعه تحت طائلة الرفض من مجتمعه وربما عائلته.

هل هذه المشكلة (الرفض المستمر لأي تغيير) مرتبطة بمجتمعنا فقط ؟ أم هل هي ظاهرة اجتماعية طبيعية؟

بالاعتماد على نظرية كوبلر في التعامل مع التغيير, تنبه علماء الاجتماع على ان “محاربة  ورفض التغيير” ظاهرة اجتماعية وليست مجرد حالات شخصية. تم الاعتماد على هذه النظرية في تفسير ردات فعل الانسان عند مواجهته لأي تغيير سواء في وظيفته, صحته, أو حياته بشكل عام. تقول النظرية أن طبيعة الانسان مجبولة على الاطمئنان ورفض التغيير, و عند مصادفة الانسان لأي تغيير في حياته سيدخل – لا اراديا –  في سلسلة من ردات الفعل وهي كالآتي:

  1. الصدمة: ردة الفعل الطبيعية هوشعور الانسان بعدم الاتصال لما حدث من تغيير حوله, وذلك قد يكون لمخالفته لقناعاته المسبقة.

  2. الرفض: بعدها يبدأ الانسان برفض التغيير جملة وتفصيلا. تختلف طرق الرفض من شخص إلى آخر, فهو قد يرفض بصمت, وقد يبدأ بحملة تهويل وتخويف لمن حوله بالإشارة إلى خطر التغيير وما قد يسببه من “فتنة” غير مرغوب فيها.

  3. القبول: هنا يبدأ الانسان بالتسليم بما حدث من تغيير وذلك قد يكون بعد رؤيته لنجاح ما حدث من تغيير حوله وبعد فشل حملته المعارضة في اقناع الناس للعدول عن التغيير.

  4. التكيف والمساندة: ردة الفعل الأخيرة هي الاقتناع بما حدث من تغيير ومساندته.

قد يأخذ الانسان عدة أشهر ليصل لمرحلة الاقتناع وقد يأخذ مجرد لحظات وقد لا يصل أيضاً. الخلاصة أن الخوف و محاربة التغيير ليست خصوصية سعودية. لكن قد يُعاب على الانسان في مجتمعنا البطء في الانتقال من ردة فعل الى أخرى والمبالغة في الرفض. نقضي معظم الوقت في رفض أي تغيير وذلك إما بسبب خوفنا مما قد يسببه من خسارة لنا على الصعيد الشخصي, أو بسبب تمسكنا بعادات وتقاليد تم ربطها بالدين قسراً. ومن هنا تبدأ حملات الرفض بإيهام الآخر بنظرية المؤامرة, حيث يفاتح الابن أباه بأفكار جديدة قد تخالف قناعاته, فيرفضها ويبدأ في لوم عوامل خارجية كـ الجيران و “أصحاب السوء” وإيهام الابن بخطرهم وأنهم يتربصون به.

الحل المثالي لنجاح التغيير وصلاح المجتمع هو إقناع الآخر (المعارض للتغيير) بأهمية التغيير للمصلحة العامة و وجوب التضحية ولو بالقليل من مصلحته الشخصية. لكن عمليا لا يمكن تطبيق هذا الحل وذلك لطبيعة النفس البشرية التي سترفض أي تغيير قد يهدد مكانتها الشخصية مهما حاولت في الوعظ والنصح. الحل السياسي قد يساعد في اقناع الناس بالتغيير. أقرب مثال لذلك  قرار دخول المرأة في مجلس الشورى. مشاركة المرأة في الشورى تحولت من رفض مجتمعي الى قبول وترحيب بعد صدور القرار من السلطات العليا. لكن يبقى الحل الأمثل والأهم برأيي هو التحرر من بعض العادات والتقاليد التي بسببها بقي مجتمعنا متأخرًا عن باقي المجتمعات. عادات وتقاليد مجتمعنا تستمر في رسم خطوط حمراء لنا, توهمنا بأنها من الدين, و تعرقل أي حركة للتغيير بحجة “عرف المجتمع”. هذه العادات والتقاليد هي سبب ركود المجتمع وهي سبب مبالغتنا في رفض أي تغيير.

وكما يقول ابن خلدون: ” اتباع التقاليد لا يعني أن الأموات أحياء, بل أن الأحياء أموات”

مهتدى المزعل

02/03/2012

للاطلاع على نظرية كوبلر:

http://en.wikipedia.org/wiki/K%C3%BCbler-Ross_model

مجتمع الفكرة الواحدة ..

مجتمعنا إقصائي, بشكل مخيف. يؤمن بوجود رأي صائب واحد لا يقبل أن تخالفه ومخالفته تضعك تحت قفص الاتهام.مجتمع يضج بالتصنيفات. مذهبيا هناك السني والشيعي, اجتماعيا هناك  المثقف والمحافظ, فكريا انت اما اسلامي او لبرالي.

ظاهرة التصنيف ليست هي المشكلة بحد ذاتها والمشكلة ليست في الاختلاف الفكري أو المذهبي, بل في تعاملنا مع هذا الاختلاف. في مجتمعنا تربينا على نقض التعددية ورفض الآخر. في عقل كل واحد منا مجموعة صناديق فيها احكام مسبقة لذاك “الشيعي” وذاك “السني”. كلمة شيعي قد تكون مرادفة لكلمة زنديق عند بعض السنة. وكلمة سني قد تعني ان صاحبها لا يدخل الجنة عند بعض الشيعة! أحكام مسبقة خلفت الكثير من الحواجز, وصدامات كثيرة, جعلت من التعايش مسئلة شبه مستحيلة. نعم .. شبه مستحيلة والسبب هو تأصل مبدأ الفكرة الواحدة في مجتمعنا, وان أي رأي أو فكر له جانب صائب واحد فقط. طبيعة الانسان ستحتم عليه رفض مبدأ التعايش – حتى وإن أظهر قبوله به –  طالما عقله الباطن يوهمه بامتلاكه للحقيقة المطلقة وأن من يخالفه في المذهب, أو الفكر هو جاهل, مخطأ, ملحد أو زنديق!

ما السبب الرئيسي الذي أدى لتفشي هذه المشكلة؟ هل المشكلة في أفراد المجتمع؟ في المنظومة الاجتماعية كاملة؟ أم في السلطة السياسية؟

 المجتمع بكامل مكوناته ساهم بشكل كبير في انشاء بيئة متشددة ومنحازة لمبدأ الفكرة الواحدة, وما الفرد إلا ضحية لهذه البيئة. الخطاب الديني له دور في ذلك حيث نرى أن الوجه السائد في نظام الوعظ لدينا هو مهاجمة الرأي الآخر و تأسيس لثقافة الرفض والتجريم لأي فكرة مخالفة, مما أدى لنشوء جيل متشدد, أحادي النظرة ويرفض الاختلاف. النظام المدرسي من جهة ثانية أيضا ساهم في نشوء هذه المشكلة وذلك لافتقار مدارسنا لصفوف الحوار والمناقشات مما ألغى فكرة التعددية من قاموس الطلاب و جعل من ثقافة الفكرة الواحدة هي السائدة.

البعض قد يحمل السلطة السياسية جزء من المسؤولية بسبب عدم وجود قانون يجرم التعدي على معتقدات الآخر أو يجرم حملات التكفير ضد كتاب الرأي أو ضد أي فكرة “دخيلة” على المجتمع. عدم وجود مثل هذه القوانين أعطى مجال لحرية غير مسؤولة وتناحر علني وعزز من مبدأ رفض الآخر. لكن هل القانون سيقضي على المشكلة؟ لا أعتقد ذلك. القانون سيخفف فقط من السخط العلني ولن يتعامل مع جذر المشكلة, و قد يكون له تأثير سلبي بتكوين مجتمع منافق ظاهره متعايش, وباطنه يضج بالكراهية والتناحر.

إذا ما الحل؟

الحل هو أن نبدأ أنا وأنت بالتغيير. بأن نعيد صياغة معنى التعايش. لا أن نتعايش باختلافاتنا, بل أن نتعايش بنسيان أننا مختلفين (فكريا أو مذهبيا) من الأساس. اعتبر من تحاوره يحمل أفكاراً مختلفة, لا فكراً مختلفاً. هذا سيبعدك عن دائرة التصنيفات و الأحكام المسبقة. انظر لأي فكرة تخالفك كقطعة شوكولاته داكنة. جربها. إن وجدتها مرة, فلا أحد سيجبرك على إكمالها. لكن لماذا تكره من يأكلها؟  وبماذا سيضرك إن أُعجب بها غيرك؟

سنحقق هذا التعايش عندما نؤمن بتعددية الأفكار و ننبذ ثقافة الخطأ والصواب. يقول سقراط “لا أحد يخطئ متعمدا”. لذلك وصولنا لدرجة الاطمئنان في أفكارنا لا يعني بالضرورة  أن من خالفنا قد جانب الصواب. ولا يعني بالضرورة امتلاكنا للحقيقة المطلقة. فكما لأفكارنا دلالات أوصلتنا لدرجة اليقين بصحتها, لغيرنا دلالاته التي أوصلته لليقين والاطمئنان.

وكما يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه:  “لك طريقتك ولي طريقتي. أما عن الطريقة الصحيحة، والطريقة المثلى، والوحيدة فلا وجود لها”

مهتدى المزعل

16/02/2012