كم حلماً قتلت في حياتك؟

كم مرة خططت فيها لهدف ما ولم تكمله؟ تشترك في النادي، يغلب عليك الحماس لشهر أو شهرين ثم تتوقف عن الذهاب. تخطط لقراءة كتاب في كل شهر، وتمر ١٠ أشهر دون أن تكمل كتابًا واًحدا. كثيرة هي الأحلام والأهداف التي تُكتب على الورق وتموت في ريعان شبابها أو حتى قبل أن تبدأ. لماذا نفشل في استكمال أهدافنا؟ ما السبب وراء ضعف قوة إرادتنا أو قصر عمرها؟ لماذا يتميز بعضنا بقوة إرادة أكثر من غيره؟

بعض الدراسات تقول: إن قوة الإرادة تعتمد على مدى قدرتك على مقاومة ما حولك من محفزات عاطفية وهي مهارة يتميز بها بعض الأشخاص دون غيرهم وقد تظهر بوادر هذه المهارة عندهم منذ الصغر. في عام ١٩٦٠ ميلادي قام مجموعة من الباحثين بعمل تجربة لقياس قوة الإرادة عند مجموعة من الأطفال. قام الباحثون بإعطاء كل طفل حبة مارشملو واحدة، وأخبروهم أن بإمكانهم الحصول على حبة مارشملو ثانية في حال انتظروا بعض الوقت بشرط أن لا يأكلوا المارشملو الذي بحوزتهم. بعدها قاموا بمراقبة أفعال الأطفال ومدى قوة إرادتهم لتحقيق الهدف الأسمى وهو الحصول على حبة المارشملو الثانية. البعض انتظر ولم يأكل حبة المارشملو والبعض الآخر أكلها بمجرد خروج الباحث من الغرفة.

بعض الدراسات الأخرى تقول: إن قوة الإرادة ليست مهارة تولد مع الإنسان بل هي أشبه بعضلة من عضلاته، تضعف عند تجاهلها وتتعب عند استنزاف طاقتها وتنمو عند الاهتمام بها. قام مجموعه من الباحثين في عام ١٩٩٨ ميلادي بعمل تجربة لإثبات هذه الفرضية. بدأت التجربة بتقسيم المتطوعين لمجموعتين وقاموا بإعطاء كل مجموعة طبقًا من الكوكيز الساخنة وطبقًا آخر من الفجل. بعد ذلك طلبوا من المجموعة الأولى أكل بعض حبات الفجل وعدم لمس طبق الكوكيز، أما المجموعة الثانية طلبوا منها الأكل من طبق الكوكيز وعدم لمس طبق الفجل. المجموعة الثانية لم تجد أي مشكله بكل تأكيد بعمل ما طُلب منها أما المجموعة الأولى فقد كانوا تحت تحدٍّ أكبر، فليس من السهل مقاومة رائحة طبق الكوكيز الساخنة من أجل طبق من الفجل. على الرغم من الصعوبة التي واجهت المجموعة الأولى، إلا إن القسم الأول من التجربة انتهى بنجاح المجموعتين بعمل ما طُلب منهم. في الجزء الثاني من التجربة قام الباحثون بإعطاء كل مجموعه مسألة حسابية شبه مستحيلة الحل وأخبروهم بإمكانية انسحابهم في أي وقت. المجموعة التي طُلب منها أكل الكوكيز في الجزء الأول من التجربة حاولوا حل المسألة لمدة ١٩ دقيقة ثم انسحبوا، أما المجموعة التي أكلت الفجل لم يصبروا أكثر من دقيقتين ليعلنوا بعد ذلك انسحابهم وتذمرهم من التجربة كلها وأنها بلا فائدة تُذكر. السبب في ذلك هو أن المجموعة التي أكلت الفجل استنزفت طاقة أكبر في الجزء الأول من التجربة، ولذلك فقدوا الإرادة والإصرار لإكمال التجربة في جزئها الثاني.

التجربة الأخيرة أثبتت أن قوة الإرادة عند الإنسان مرنة إلى حد كبير، وهذا يفسر حماسنا لتحقيق أهدافنا في بدايتها لكننا لا نلبث أن ننساها بسبب استنزاف طاقتنا في أمور قد تكون ثانوية. كثيرة هي الأمثلة في حياتنا التي تتشابه مع نتائج التجربة السابقة. هدفك اليومي للذهاب للنادي يموت بسبب يوم سيّء في العمل، هدفك لإنقاص وزنك يتلاشى بسبب بعض التعليقات المحبطة، حلمك لافتتاح عملك الخاص بك تنساه يومًا بعد يوم وذلك لاستنزاف طاقتك في وظيفتك.

هناك تأثيرات كثيرة تؤثر سلبًا على قوة إرادة الانسان في تحقيقه لأهدافه، وهو أمر طبيعي جدًّا. لكن من المهم الإيمان أن قوة الإرادة، على الرغم من ضعفها في بعض الأحيان، ستنمو في حال وجدت التمرين المناسب. أحد الطرق لتنمية قوة الإرادة وتدريبها على الاستمرارية هو تفكيك الهدف أو الحلم طويل المدى إلى أهداف قصيرة يتم تحقيقها في زمن أقصر. غالبيتنا يستهلك جل طاقته في التركيز على أهداف طويلة المدى مما يستنزف قوة الإرادة لدينا ويجعلنا نتراجع عن استكمال أهدافنا، وذلك لعدم وجود نتائج ملموسة. التركيز على أهداف قصيرة المدى وتحقيق النجاحات فيها سيكون بمثابة التغذية والتمرين لقوة إرادتك وسيكون حجر الأساس لتحقيق باقي الأهداف. على سبيل المثال: بدل أن يكون هدفك الأولي هو إنزال وزنك بمقدار ١٥ كجم على مدى ٣ أشهر، اجعل هدفك الأولي الالتزام بالذهاب إلى النادي بمعدل ١٥ يوم في الشهر. بعد النجاح في تحقيق هذا الهدف يكون هدفك التالي هو إنزال وزنك بمعدل ٤ كجم في الشهر. وبالمثل، بدل التخطيط لقراءة كتاب أو كتابين في الشهر، خطط لقراءة ٢٠ صفحة في اليوم.

تنمية قوة الإرادة وتدريبها على هذا النمط سيحولها فيما بعد إلى عادة تستمر مع الإنسان على المدى الطويل وتساعده على تحقيق أهدافه. تجربة المارشملو التي تطرقت لها في بداية المقال حدثت في عام ١٩٦٠ ميلادي. على مدى ٥٠ سنة، قام الباحثون بمتابعة الأطفال المشاركين في التجربة لقياس مدى استمرارية قوة إرادتهم وتأثيرها على حياتهم. أثبتت نتائج هذه المتابعة أن من غَلَبَت قوة إرادته على عاطفته في التجربة استمر بتحقيق النجاحات في حياته الشخصية والعملية وحتى في اختبارات القبول بالجامعة. هذه التجربة تثبت أن النجاحات البسيطة هي المغذي الذي يعمل على استمرارية قوة الإرادة لتحقيق نجاحات أكبر.

مشكلتنا أننا نستنزف طاقتنا داخل هموم الحياة ومشاغلها لدرجة تنسينا أحلامنا. نكبر وتكبر أحلامنا معنا لكنها للأسف تشيب وتموت قبل أن نلقاها لأننا ببساطة قتلناها بضعف إرادتنا.

*تم نشر هذا المقال في صحيفة هافنغتون بوست الأمريكية بنسختها العربية بتاريخ 19/08/2015

مهتدى المزعل
@muhtada89

المصادر:
Duhigg, C. 2012. The Power of Habit

Advertisements

موريشيوس الأكثر سعادة ..

موريشيوس الأكثر سعادة ..

عند ذكر اسم جزيرة موريشيوس يخطر على بال الكثيرين صور طبيعة خلابة, كوخ صغير على واجهة البحر, أو ربما رفقة رومانسية على الشاطيء. اشتهرت جزيرة موريشيوس باختيارها وجهة لشهر العسل أو لقضاء اجازة قصيرة للهروب من هموم ومشاغل الحياة .. لكن ما لا يعرفه الكثيرون هو جمال ثقافة شعبها الذي يجاري سحر وجمال شواطئها.

رغم صغر مساحتها التي لا تتجاوز 2500 كيلومتر مربع, تتكون موريشيوس من خليط عرقي, وديني, وثقافي كبير وذلك لاختلاف أصول شعبها. يسكن هذه الجزيرة عدة طوائف من الافارقة, الهنود, الآسيويين, وحتى الاوروبيين الذين يتبعون ديانات مختلفة كالاسلام, المسيحية, الهندوسية والبوذية. ولك ان تتصور حجم الاختلافات الناتجة عن هذا الخليط من تباين في العادات او الطقوس العبادية أو حتى الاحتفالات وكل هذا في مساحة صغيرة نسبيا. ما يميز موريشيوس هو تعايش شعبها على الرغم من كل هذه الاختلافات التي تفرقهم ولذلك سأسلط الضوء في هذا المقال على نجاح تجربتهم وعن سبل الاستفادة منها في مجتمعنا.

قد تقول ان مجتمعنا فيه صور عدة تدل على التعايش كما أن التعايش موجود في أكثر من دولة في العالم, لماذا الحديث عن موريشيوس بالذات؟
السبب في ذلك هو ان التعايش الموجود في مجتمعنا هو تعايش بسيط وهامشي وقد يصل إلى درجة السلبية في كثير من الأحيان. أعني بالتعايش السلبي هنا هو أن اتعايش معك ظاهريا بعقد لقاءات حوارية تنادي للتعايش واللحمة الوطنية, ولكني أقضي معظم الوقت في سرد عيوبك وتربية أبنائي على الخوف والحذر منك بسبب فرضيات وتخمينات استقيتها من البيئة التي نشأت فيها. على النقيض من ذلك, تجربة موريشيوس تثبت أن هذه الجزيرة لم تتوقف وتركن عند خط التعايش هذا بل تجاوزته بمراحل. في موريشيوس هناك اعتقاد سائد بان اختلافاتهم الدينية والثقافية هي مصدر سعادة وفخر لا مصدر انقسام. هناك اعتقاد سائد بوجوب التكاتف للوصول لأهداف أسمى من النقاش حول غلاف كتاب أو حول أحقية أحد اجدادهم بزعامة القبيلة. هذه الدرجة من التعايش كانت احد اسباب حصولهم على لقب الدولة الأكثر سعادة في أفريقيا لعام 2012, بحسب التقرير العالمي للسعادة.

اذاً السؤال المهم هو كيف وصلت موريشيوس لهذه الدرجة من التعايش والسعادة وهل من الممكن تطبيق تجربتهم في مجتمعنا؟
أحد أسباب نجاحهم هو تطبيقهم لجزء من نظرية الباحث الاجتماعي ستيفن كوفي حول العادات السبع للناس الأكثر فاعلية. هذه النظرية تدعو الشخص للتطبع ببعض العادات ليصبح قادرا على الاعتماد على نفسه أولاً ثم تدعوه للانتقال من هذا الاكتفاء الذاتي إلى الترابط والتكاتف مع غيره ليصبح بذلك شخصا فاعلا في مجتمعه. هذه النظرية تحتاج مقالات عدة لشرحها ولكني سأركز على جزء منها والذي كان سببا لرقي موريشيوس الى هذه الدرجة من التعايش. يقول ستيفن أن الاختلافات بين الناس كبيرة بطبيعتها, لذلك الصراعات هي نتيجة متوقعه لهذه الاختلافات مما ينتج لنا مجتمع تنافسي كل فرد فيه يفكر بنفسه فقط, وإن لزم الحال سيتعايش مع غيره مرغما تحت مبدأ التعايش السلبي. يعتقد سيفن أن جوهر التعايش الحقيقي والعيش بسلام وسعادة في ظل هذه الاختلافات هو السعي أولا لفهم هذه الاختلافات على حقيقتها بعيدا عن أي تخمينات أو فرضيات سابقة ثم إعطاء هذه الاختلافات قيمة ومعنى, وهو ما سعت لتحقيقه موريشيوس.

الانسان بطبيعته عدو ما يجهل, لذلك تبنّت موريشيوس نظرية ستيفن كوفي وسعت لأن تعرف كل طائفة في مجتمعها عن ثقافات الطوائف الأخرى بطريقة ممنهجة وصحيحة وذلك بإدخال هذه الاختلافات الثقافية في المدارس كمادة تعليمية. لا يكبر الشخص في موريشيوس إلا وقد كوَن وعيا متكاملا عن ثقافة جاره, عاداته, وحتى طقوسه العبادية. هذا الوعي دعا الشعب لإعطاء قيمة ومعنى لاختلافاتهم, ودعا الحكومة لأن تجعل من كثير من المناسبات كعيد الفطر وغيرها من مناسبات واحتفالات الصينيين أو الهندوس عطلاً رسمية في البلاد لتتيح للجميع المشاركة بالفرحة.

الخلاصة: كل انسان لديه درجة من الفضول تحتاج للإشباع وهذا الفضول يزداد عندما يكون مرتبطا بطائفة تشاركك المجتمع. إذا لم يتم اشباع هذا الفضول بطرق مقننة وصحيحة سيسعى الانسان لإشباع فضوله من خلال ما يسمعه في “استراحة” أصدقائه او ربما من خلال ما يقرأه على وسائل التواصل الاجتماعي.

من هذا المنطلق, لن نتعدى حاجز التعايش السلبي ونصل لما وصلت إليه موريشيوس حتى نُشبع فضول مجتمعنا بإدخال اختلافاته الثقافية كمادة تعليمية في المدارس لتنفي أي فرضيات خاطئة تبناها المجتمع في السابق بسبب جهل أو تعصب. عندها فقط سنبني جيلاً واعياً, متسامحاً مع اختلافاته, وتغلب عليه مشاعر التقدير والاحترام بدل مشاعر الحذر والخوف من الآخر, موريشيوس أنموذجا. تجربة موريشيوس وسَّعت من معنى التعايش وأثبتت أن التعايش أكبر من مجرد حلول وقتية, كعقد ندوات أو حوارات, أو كالمطالبة بتعيين أحد أبناء طائفة معينة في مركز إداري مهم. التعايش هو إيمان داخلي تزرعه في نفوس أبنائك, وطريقة حياة.

مهتدى المزعل
١٦/٢/٢٠١٥
@Muhtada89

IMG_0017