ثقافة الطاقة الإيجابية ..

يتم اتهام السعودي بأنه متشائم و سلبي على الدوام، كثير التأفف ويفتقد لصفة التفاؤل. هذا الاتهام جعلني أتسائل عن مصدر هذه الهالة السلبية التي تحيط بنا. هل المشكلة وراثية وموجودة في جيناتنا فقط كسعوديين؟ هل المشكلة في الوطن؟ ام ان هذا الاتهام باطل ولا أساس له من الصحة؟  في هذا المقال سأحاول الإجابة على هذه التساؤلات اولا بتحليل مشكلة الهالة السلبية وثانيا بإيجاد حلول ممكنة

بغض النظر عن جنسيتك، نظرتك الإيجابية للحياة سيحدد مسارها عوامل خارجية في محيطك البيئي وعوامل داخلية يتحكم بها محيط تفكيرك.

العوامل الخارجية:

هناك عوامل خارجية عدة من شأنها التحكم في مدى حبك وايجابيتك للحياة. بعض هذه العوامل لا تتكرر بكثرة ولكن قدرتها على خلخلة موازينك الايجابية كبيرة مثل الأحداث المؤسفة من فقد عزيز أو مرض حبيب, معاناة مع بيروقراطية الدوائر الحكومية أو المرور على حفرة مفاجأة على الطريق. وبعض العوامل الخارجية – وأشدها تأثيرا- هي تلك التي تتكرر حولنا بكثرة حتى أصبحت جزءا من روتين حياتنا جعلنا ننسى انها هناك ولم نعد نلحظ تأثيرها وهي محادثاتنا اليومية واختلاطنا المستمر مع من حولنا. اختلاطنا بالمتشائم, او كثير التذمر على سبيل المثال سيؤثر سلبا على أطباعنا وتصرفاتنا لا شعوريا. لذلك ان واجهت صعوبة في إضفاء بعض من الإيجابية على يومك راجع دائرة علاقاتك. فالسلبية, وكذلك الإيجابية مُعدية بشكل كبير.

العوامل الداخلية:

على الرغم من قوة محيطك البيئي على فرض السلبية أو الايجابية في حياتك، هناك عوامل داخلية لها القدرة أيضا على توجيه مسارك الى الطريق السلبي أو الإيجابي.

احد هذه العوامل هي العقل وطريقة التفكير. تقول الدراسات أن تفكيرك الإيجابي او السلبي يعتمد على اي جزء من عقلك تستخدم اكثر. علميا، الجزء الأيسر من الدماغ يهتم بالوقائع، الأرقام والأفكار المنطقية والتحليلية. عند استقبال عقولنا لأي معلومة نقوم لا شعوريا بإصدار الأحكام وتحليل المعلومة والوصول للنتائج وذلك بسبب غلبة جزء الدماغ الأيسر على تفكيرنا.

على النقيض من ذلك، الجزء الأيمن من الدماغ يهتم بالخيال والابتكار والشغف لتحقيق الأهداف ويعتبر محفزاُ للتفكير الإيجابي.

إيجادك صعوبة بأن تكون متفائل أو أيجابي سببه انحياز تفكيرك للجزء الأيسر من الدماغ. سببه إجهاد عقلك بالتفكير المبالغ فيه وتحليل وقائع لا تملك القدرة على تغييرها من الأساس.

تقول الدراسات ان هذه الصعوبة نعاني منها نحن الرجال اكثر من النساء . الجزء الأيمن من عقل المرأة المسؤول عن حب الخيال وشغف تحقيق الاهداف له الغلبة ولذلك قابليتها لاستقبال ونشر الطاقة الايجابية أكبر من الرجل.

بعد تحليل العوامل والاسباب وراء الطاقة السلبية, سأناقش الآن بعض الحلول أو الخطوات الممكنة للوصول لحياة أكثر أيجابية. كتب النفس مليئة بأفكار ووصفات تحفز على التفكير الإيجابي مثل قانون الجذب وغيرها لكنها تتطلب تمرين مستمر وتمرس على النظر للجانب الإيجابي في أي حدث سلبي تصادفه في الحياة مما قد يفقدها الواقعية في كثير من الأحيان. إضافة لقانون الجذب هناك بعض الخطوات أسهل تطبيقا من شأنها المساعدة على توجيه مسار تفكيرك إلى المسار الذي تريد.

أحد هذه الخطوات هي التمرين الذهني وذلك بالتخطيط المستمر لحياتك. هذا التخطيط يستوجب معرفة أولا ماتريد تحقيقه من أهداف ومن ثم وضع خطة واضحة لتحقيقها. كثير منا قد يضع أهداف لسنة او خمس سنوات قادمة مفعلا الجزء الأيسر من عقله ولكنه أيضا يعيش أيامه بعشوائية وبلا خطة واضحة أو شغف لتحقيق تلك الأهداف مما يجعل الجزء الأيمن من العقل (المحفز للتفكير الإيجابي) عاطلا عن العمل. وضعك أهدافا لخمس سنوات قادمة لا يكفي. اسأل نفسك عن أهدافك لهذا الأسبوع أو حتى ال24 ساعة القادمة. هذا التخطيط اليومي البسيط من شأنه أن يجعل جل تفكيرك منصبا في أتجاه محدد بلا عشوائية و من شأنه أن يحفز شفغك لتحقيق اهدافك. هذا التخطيط لن يغير حقيقة معاناتك في الدائرة الحكومية أوالتعامل الجاف من الموظف الحكومي, ولن يغير حقيقة سقوط سيارتك في حفرة مفاجأة هذا الصباح لكنه فقط سيرتب أفكارك وسيجعل من مثل هذه الأحداث ثانوية بدل أن تأخذ العنوان الرئيسي والصفحة الأولى لملخص يومياتك.

الخطوة الأخرى التي من شأنها تسيير حياتك إلى المسار الإيجابي هي حسن الظن بالله. بعيدا عن الدراسات والقوانين وكتب النفس, الإيمان بقضاء وحكمة الله في تسيير الامور من شأنه تحويل مشاعر الهم والغم والتذمر إلى راحة نفسية مهولة.

وكما يقول الإمام علي بن أبي طالب (ع)

وكم أمرٍ تساءُ به صباحاً .. وَتَأْتِيْكَ المَسَرَّة ُ بالعَشِيِّ

إذا ضاقت بك الأحوال يوماً .. فَثِقْ بالواحِدِ الفَرْدِ العَلِيِّ

في هذا المقال لا أدعو للمثالية أوالخروج عن الواقع. أدعو فقط لإيجاد حل معقول في مجتمع يضج بالسلبية والتشاؤم. ان نتغير ونغير من حولنا في حدود امكانياتنا وقدراتنا بدل العيش مكبلين تحت أوهام الطاقة السلبية. نعم, قد يكون اتهامنا بسلبيتنا كسعوديين فيه شيء من الصحة. لا أحد ينكر ما نصادفه يوميا من أحداث ترغمك على السلبية سواء في تعاملاتنا مع الدوائر الحكويمة او المرور على التحويلات والحفر المفاجأة على الطريق مما أثر أيضا على طريقة تفكيرنا. لكن الأهم إيماننا بقدرتنا على التغيير والتفكير بحلول أكثر للتحكم بما يمكن تغييره (عواملنا الداخلية). عندها فقط ستصبح الطاقة الإيجابية في مجتمعنا ثقافة

**تم نشر هذا المقال في جريدة الحياة بتاريخ 27/08/2014

مهتدى المزعل

Advertisements

ما وراء هيباتيا

«العلم نور والجهل ظلام» جملة كلاسيكية نرددها منذ أيام طفولتنا، ونعلقها على مداخل مدارسنا وجامعاتنا، آملين بأن يكون لها مفعول السحر على عقولنا، أن ترفع من مستوى وعينا، وأن تنتشلنا من الظلمات والأفكار الرجعية إلى أنوار العلم والمعرفة، لكن المهمة تتطلب أكثر من ذلك.

مرّ العلم بصعوبات وتحديات عدة على مر التاريخ حتى وصل إلينا بهذه الصورة التي نراها حالياً، إحداها كانت في القرن الرابع الميلادي، في ذلك الوقت كانت مدينة الإسكندرية تتميز بمجتمع مسيحي متشدد يحكمه رهبان وأساقفة الكنيسة، أي فكر مخالف لقناعاتهم كان يعتبر جرماً كبيراً وخطيئة توجب غضب الرب. في ظل هذا التشدد، كانت توجد امرأة تدعى «هيباتيا»، كانت عالمة في الرياضيات والفلك والفلسفة. كانت ندواتها تجذب المثقفين من المجتمع ويحب أن يستمع إليها كل من لم يتلوث تفكيره بعصبية الفكر المسيحي المتشدد في ذلك الوقت، بطبيعة الحال نشاطها الثقافي لم يعجب رهبان وأساقفة الكنيسة واعتبروا فكرها فتنة تهدد أمن واستقرار مجتمعهم. لم يهنأ لهم بال حتى اجتمعوا حولها ذات يوم وسحلوها في أزقة المدينة حتى ماتت ثم أحرقوا جثتها، ومن ذلك اليوم اعتبرت هيباتيا أول شهيدة تموت في سبيل العلم والفكر والحرية. أرى في حادثة «هيباتيا» أبعاداً عدة مرتبطة بمجتمعنا الحالي، ومن شأنها الإسهام في انتشال بعض الأفكار الرجعية فيه، سأفصلها في 3 نقاط:

البعد الأول هو أثر المجتمع في المستوى المعرفي لدى الشخص، أو بما يعرف في علم الاجتماع بالعقل الجمعي. العقل الجمعي هو الاعتقاد بأن رأي الجماعة هو الرأي الصائب، ويتولد عادة من الارتياب أو الخوف من نظرة المجتمع إلى أية أفكار مخالفة للرأي السائد، حتى إن كنتَ ترى رأيك منطقياً. تقول الدراسات إنك في الغالب ستتنازل عنه وستوافق رأي الغالبية، وهو ما كان واضحاً في حادثة الاعتداء علي هيباتيا، فحتى محبوها امتنعوا عن الدفاع عنها وقت الحادثة خوفاً على مكانتهم الاجتماعية أو من ردة فعل غاضبة تجاههم. طبيعة الإنسان مجبولة على الخوف من التغيير ابتداءً، وهذا ما يجعل من ظاهرة العقل الجمعي ظاهرة سائدة حتى في مجتمعنا الحالي، لذلك التحدي هو أن يبدأ الإنسان بقراءة ما يستفز عقله وقناعاته المتبناة من مجتمعه، وبذلك يتخطى حاجز العقل الجمعي ويصحح أفكاره إن كانت خاطئة أو يؤكدها إن كانت صائبة.

البعد الثاني هو الصراع المتكرر بين العلم والدين الذي يطرح بموجبه العديد من الأسئلة وأبواب النقاش حول المهم والأهم. هناك اعتقاد سائد بأن التركيز في الدراسات العلمية أو الفلسفية هو تقصير في حق الدين، من باب هل ستنفعك هذه الدراسات لآخرتك؟ ال

بعد الثالث هو أهمية التوسع في المعارف والمدارك الناتجة من استنتاجات منطقية وغير عاطفية. أفلاطون قسم المعرفة إلى ثلاثة أنواع: حدسية وحسية واستنتاجية، الحدسية هي المعرفة البسيطة بالأشياء، والحسية هي الناتجة من الظنون والاعتقادات السائدة (العقل الجمعي)، أما الاستنتاجية فهي المعرفة الناتجة من البراهين والتحليلات المنطقية، وهي التي ماتت وضحّت من أجلها هيباتيا وبها فقط سيتحقق معنى «العلم نور والجهل ظلام».

الهدف من هذه المقالة أن نعتمد في معارفنا على البرهان أكثر من اعتمادنا على قول فلان، أن نبدأ نقاشنا بـ«يقول الكتاب» بدلاً من أن نبدأه بـ«حدثني رجل». عندها فقط سنحظى بجيل متوسع المدارك، مستقل بثقافته، وغير متأثر بظاهرة العقل الجمعي، هيباتيا أنموذجاً. اسأل نفسك عن آخر مرة قرأت فيها كتاباً غير مقرر عليك في الجامعة، وابدأ من هنا.

** تم نشر هذا المقال في جريدة الحياة بتاريخ 10/03/2014

كيف تؤثر ذكرياتك على مستقبلك؟

كيف تؤثر ذكرياتك على مستقبلك؟

تجلس مع جدك، جدتك او احد والديك لشرب “أستكانة” شاي. يبدأ النقاش عن أحوالهم وعن أمور حياتهم ثم بعدها لا شعوريا يتحول حديثهم للنقاش عن الماضي وعن ايام الطيبين والزمن الجميل.

كنت ارى في هذا الحنين رجوعًا غير مبرر للوراء، انقطاعًا عن الحياة، وسببًا لتأخرنا عن باقي المجتمعات. كنت أدعو للتجرد من الماضي ونسيانه كليا، ربما لقلة تجاربي في ذلك الوقت.
لكني بعد فترة لاحظت أني لم اختلف عن أجدادي كثيرا في هذا الحنين. زرت بريطانيا بعد تخرجي منها بسنة، كنت اجد المتعة في المشي بين الشوارع بغير هدى، أتذكر ايام الجامعة وما صاحبها من ذكريات وجنون ولا شعوريا ابتسم.
لاحظت أني لم اختلف عن أجدادي كثيرًا، أنا أيضاً أسكن في الماضي في كثير من الأحيان، سواءً عبر ما اكتبه في تويتر او مما اعرضه من صور في أنستغرام.

ما صادفته من اختلاف وتصادم في الأفكار جعلني اكتب هذه التدوينة.
ما سر هذا الحنين؟ ما أسباب حبنا لتذكر الماضي – ولو كان قريبًا – وما صاحبه من ذكريات؟ وما الاثر الذي تتركه هذه الذكريات على مستقبلنا؟

السبب الأول لهذا الحنين هو استرجاع للحظات ومواقف ماضية أنتجت علاقة عاطفية بين الانسان وماضيه. ارى ان اثر هذا النوع من الذكريات سواء بالسلب او الإيجاب يعتمد على مدى عمق ونوع هذه العاطفة.
البعض يرى ان الماضي يمثل هويته. تذكره المستمر لماضيه هو وسيلة للحفاظ عليه من الاندثار والنسيان. في مدينة كاردف البريطانية على سبيل المثال تنتشر اللوحات في الشوارع باللغتين؛ الانجليزية والويلزية. الهدف من ذلك هو الحفاظ على اللغة الويلزية من الاختفاء.
هذا السبب قد يفسر أيضاً تعلق أجدادنا بماضيهم، عشقهم لأيام زمان، واستمرارهم في تذكر حكايا وقصص الماضي بين الحين والآخر. الحفاظ على هكذا هوية والمرور عليها بين حين وآخر أمر جميل وايجابي وإلا لما انتشرت المتاحف في أنحاء العالم للحفاظ على آثار مضت.

على الرغم من جماليته الظاهرة، هذا التمسك بالماضي والهوية قد يكون له آثار سلبية وقد يتحول الى نقمة ان غلبت عليه العاطفة. هذا الأثر السلبي نجده في جماعة “الأميش” على سبيل المثال. الأميش هي جماعة تعتنق الدين المسيحي لكن لهم اعتقادات خاصة تمنعهم من استخدام السيارات، التكنولوجيا وحتى الكهرباء في بعض الأحيان. تمسكهم بماضيهم وهويتهم كان سببا في رفضهم لأي تقدم او تحضر.

السبب الثاني للحنين ليس بالضرورة نتاج علاقة عاطفية وليس حبًا في الماضي نفسه، ولكن قد يكون حبًا لما وصلت اليه ذاتك من رضا وإنجاز في ذلك الوقت مما جعلها فترة “مقدسة”، فأصبحْت لا شعوريا تقارن اي لحظة من لحظات حياتك لما عايشته في تلك الفترة.
الانسان يمر بشعور ملح لإشباع احتياجاته باستمرار والفشل في إشباع هذه الاحتياجات سيشعره بالقلق، الإحباط وعدم الأمان. إشباع هذه الاحتياجات سيوصل الانسان في النهاية للرضا الكامل عن النفس والذات.
الباحث الاجتماعي ابراهام ماسلو شرح هذه الفكرة بشكل مبسط في رسم هرمي، كما هو مبين في الصورة أدناه.

الوصول للكمال الذاتي يختلف بطبيعة الحال من شخص لآخر لكن ماسلو يعتقد بوجود خطوات محددة وثابته يجب الإيفاء بها للوصول إلى قمة الهرم.
الخطوة الأولى تبدأ بالإيفاء بالحاجات الأساسية/الفسيولوجية للعيش كالمأكل والمشرب والمسكن. بعدها تأتي حاجة النفس للأمان النفسي والبدني.
الخطوة الثالثة هي الحصول على الحب والدعم من الأهل والأصدقاء، ويتبعها الحاجة للاحترام والتقدير من الآخرين. بحسب ماسلو، إشباع هذه الاحتياجات كفيل بأن يمهد الطريق للابتكار والإنجاز مما سيشعر الانسان في النهاية بالأمان والرضا الذاتي.

هذا الهرم قد يفسر حبك لفترة ماضية من فترات حياتك. ما أوصلته حياتي الجامعية الماضية على سبيل المثال من كمال ذاتي وإنجاز شخصي جعلها المرجع الأول لي ونقطة انطلاق للمقارنة مع اي لحظات او مواقف تتبعها.
التحدي يكمن في تكرار رسم هذا الهرم في حياتك، بأن تفهم المتغيرات التي تطرأ على احتياجاتك وتسعى لإشباعها . ان تكون ذكرياتك محفزا لإيجاد طموح جديد. مالم تجد طموحا جديدا يرضي غرور ذاتك سيبقى هرم حياتك ناقصا، وستبقى ذكرياتك كتلة من السلبية تلاحقك أينما ذهبت.
أنا اعترف أني لم استطع تكرار الهرم حتى الآن، وهذا ما جعلني سلبيًا كثير النظر للوراء في أغلب الأحيان، لكني بدأت في اكتشاف المشكلة.

الخلاصة؛ سواء كانت علاقتك بماضيك عاطفية ام لا، انت فقط من له القدرة على تحديد اثر ذكرياتك على مستقبلك

مهتدى المزعل

20131202-212151.jpg

هرمون السعادة ..

هرمون السعادة ..

لاحظت مؤخراً أني أعاني من قدر كبير من التشاؤم. أصبحت اتذمر من كل شيء، من بداية يومي حتى نهايته.
في طريقك للعمل كل صباح تمر على عدد من الحفر التي تشبعك بقدر كافي من الطاقة السلبية. تقوم بمراوغاتك المعتادة لتفاديها، ترتسم على وجهك نصف ابتسامة لـ تحسنك الواضح في المراوغة مع الوقت، لكنك لا تلبث الا ان تفشل مجددا. هناك دائما مفاجأة جديدة. تستمع لتلقي سيارتك للضربات، فتبدأ صباحك بالدعاء بالويل والثبور لمن كان السبب. حتى سماعك لـ فيروز اصبح جزءًا من روتينك الصباحي ونادرًا ما ينجح في قلب الطاقة السلبية إلى إيجابية.

اراهن اني لست الوحيد المتشائم في هذا البلد، الكثير يمر بنفس الحالة، فهو أما عاطل، مديون أو فقير لا يملك ما يكفيه لإكمال نصف دينه.
بغض النظر عن هذا كله، قررت أن اتحلى بالقليل من الايجابية وابحث عن معادلة للسعادة. ماهي السعادة؟ أي توجد؟ وهل بالإمكان تواجدها في بلد متشبع بالسلبية؟

سأناقش مفهوم السعادة من ٣ نواح؛ ناحية فلسفية، علمية، وواقعية.

– الناحية الفلسفية:
يقول أرسطو أن الشرط الاساسي لتحقيق السعادة لدى الانسان هو أن تكون مستمدة من عمل أخلاقي، وان أي عمل لا يتحقق بواسطة وسيلة فاضلة فلن يؤدي للسعادة مهما كان.
يعتقد أرسطو أن السعادة هي غاية يسعى إليها الإنسان من أجل ذاتها بعكس الغايات الأخرى كالسلطة والمال مثلا.
إضافة للجانب الأخلاقي، يعتقد أرسطو أن الفضيلة العقلية أو تحصيل العلوم هو الشرط الآخر لـ تحقيق الكمال الذاتي ومن ذلك تحقيق السعادة.
بالطبع هذه المعادلة للسعادة لم تكن مقنعة للجميع. فكم من حاكم ظالم سعيد بسلطته وجوره؟ وكم من سارق غير متعلم سعيد بأمواله؟
مع ذلك يعتقد أرسطو أن السعادة بهذه الطرق هي مجرد لذة سطحية، ولا تحقق الكمال الذاتي باعتبارها ستدفع هذا الإنسان على الندم عاجلا أم آجلا.

جان جاك روسو كان له رأي آخر وقد يكون أكثر واقعية من مثالية أرسطو. يقول روسو؛ “السعادة تتكون من حساب بنكي جميل، وطاهية ماهرة، وهضم خال من المشكلات”
روسو يعتقد أن المال ركن أساسي لتحقيق السعادة، واجزم أن الكثير يوافقه في هذا الرأي. لكن ما مدى صحته؟
هناك دراسة تقول نعم هناك علاقة طردية بين المال والسعادة. كلما زاد المال كلما زادت سعادتك، لكن الدراسة تقول ايضا أن هذه السعادة اما ستتوقف عند حد معين من المال أو أنها ستفقد قيمتها مع الزمن.
مثال بسيط لإيضاح الفكرة: الموظف يحصل على زيادة سنوية مع راتبه. هل هذا يعني ان معدل سعادته يزداد سنويا أيضاً؟
الجواب: ليس بالضرورة. لأن زيادته السنوية ستصاحبها في الواقع التزامات حياتية وتغيرات اقتصادية وربما غلاء في الأسعار سترجعه في النهاية إلى نفس معدل سعادته في السنة السابقة.

الناحية العلمية:
كل انسان لديه جين أو هرمون للسعادة يولد معه ويختلف معدله من شخص لآخر، اسمه سيروتونين.
اكتشف الباحثون عدة أدوية من شأنها زيادة معدله في الجسم لعلاج حالات الاكتئاب. مع ذلك بعض الدراسات تقول أن الطرق الأنجع لزيادة معدل هذا الهرمون في الجسم هي طرق حياتية أكثر منها طبية.
الشوكولاتة على سبيل المثال لها القدرة على انتشالك من بعض حالات الاكتئاب وذلك لتأثيرها الإيجابي على معدل هذا الهرمون في الجسم ولو مؤقتًا.
باحث آخر يعتقد ان ممارسة التمارين، واتباع نظام صحي هي الطرق الأفضل لزيادة هذا الهرمون. يرى الباحث ان معدل سعادتك يزداد لأنه مستمد من شعور الرضا عن النفس وعن الجسم المصاحب للتمارين والنظام الصحي.

الناحية الواقعية:
وقفت عاجزا عن ربط بعض مواقف الحياة بالدراسات التي أجريت لقياس السعادة. أكثر محب للحياة صادفته هو عامل النظافة لـ دورات المياه في الشركة التي اعمل بها. يلقي التحية على الجميع في كل صباح. كل من في المبنى يعرفه، يبتسم في وجه الجميع ولم أراه متذمرا أو عابس الوجه في يوم من الأيام.
يشعرني بالخجل. سعادته لم تأتي من مال – لتدني راتبه – ولم تأتي من أهل – لابتعاده عن أهله – وحتى لم تأتي من وظيفته. ربما أتت من شخصه، وطريقة حياته.
ولعله الوحيد الذي طبق مقولة ايليا أبو ماضي؛ “كن جميلا ترى الوجود جميلا”

تشاؤمي أو تشاؤمك قد يكون مصدره عدم إيجادنا لمعادلة السعادة الخاصة بنا. كلنا مختلف. البعض قد يجدها في زوجة سعيدة، أو أم راضية أو ربما حساب بنكي وفير. المهم من هذا كله لا تحصر سعادتك في لذات مؤقتة.
السعادة، كما أراها، طريقة حياة وليست غاية.

مهتدى
June, 14. 2013

المصادر:
Young, S. 2007. How to increase serotonin in the human brain without drugs
Inglebart, R and Klingemann, H. Genes, Culture, Democracy, and Happiness.
Parker, G. 2006. Mood state effect of chocolate.
إبراهيم النجار. مدخل إلى الفلسفة.

كيف يغتصبون عقلك؟

كيف يغتصبون عقلك؟

التحكم والسيطرة على الآخر نزعة موجودة في الانسان. قد تختلف حدتها واهدافها من شخص لآخر لكن هذا لا يعني تلاشيها تماماً. ألق نظرة بسيطة من حولك. الحكومة مع الشعب، المدير مع موظفيه، و الأب مع أبنائه. هناك دائماً علاقة حاكم و محكوم، او قائد و تابع.
مصدر التحكم هو اما نظامي وذلك باتباع القوانين التي سنتها الحكومة مثلا، او اجتماعي وذلك باتباع أوامر والدك مثلا.

بالإضافة لهذا كله، هناك مصدر تحكم خفي، قد يكون أثره أقوى من أساليب التحكم الظاهرة. يختلف عن الأساليب الظاهرة بانك تؤمن به لا شعوريا. يتحكم بك، وتسانده. وقد يختار لك مسار حياتك و مجال تفكيرك ومع ذلك تبقى تدافع عنه. مصدر التحكم هذا هو الفكر والاعتقاد عندما تطغى عليه الأيديولوجية.

ما هي الأيديولوجية؟
اختلف الكتّاب في تفسيرها، لكنهم اتفقوا في النهاية على تأثيرها في تضييق مدى التفكير لدى الانسان و حشره في زاوية ضيقة ليرى الأمور من جهة واحدة فقط.
البعض فسرها بأنها أفكار “خاطئة” يتم بثها في المجتمع في الغالب لتحقيق اهداف سياسية. من أمثلتها النظام النازي لـ هتلر و النظام الحالي في كوريا الشمالية.

البعض الآخر فسرها بأنها مجموعة من الأفكار والمعتقدات التي يؤمن بها الانسان لتساعده على إعطاء معنى لما يجري حوله من احداث. هذه المعتقدات تختلف من مجتمع لآخر وذلك لتأثرها بالثقافة، الدين أو القيم العامة في البلد.

الأيديولوجية بتفسيرها الثاني قد تكون اكثر وضوحا في مجتمعنا، و سأذكر عدة أمثلة لأبين ذلك.
خذ على سبيل المثال اي خلاف يحصل بين الزوج و زوجته لاختلاف في وجهات النظر. هذا الخلاف بحد ذاته لا علاقة له بأي أيديولوجية. لكن عندما يبدأ الزوج مثلا بإعطاء تفسيرات ان حصول هذا الخلاف يرجع لخصائص تكوينية يؤمن “هو” بوجودها في الأنثى كـ قول انها قاصر او انها “ناقصة عقل و دين”، عندها من الممكن القول ان هذا الزوج مؤدلج. عقل هذا الزوج تم اغتصابه بأفكار و معتقدات تم تبنيها في مجتمعه منذ سنوات، منذ أيام الجاهلية، لتخدم فئة معينة. آمن بها من دون تفكير، و ها هو مجتمعنا يعاني من تبعاتها الى الآن. سبب استمرار هذا الفكر الى الآن هو إضفاء لمحة دينية عليه، و ايهام الناس انه من اساسيات الدين. وبما اننا شعب تعلم التلقين، استمر الآباء والأمهات بتربية أولادهم على هذا الأساس.

نعم، هذه الأيديولوجية ليست قاصرة على مجتمعنا، حتى مجتمعات اوروبا عانت منها لفترة من الزمن، لكنها تجاوزتها بمراحل. الفكر القائم على ان المرأة كائن قاصر القدرات والتفكير بدأ بالتلاشي في اوروبا مع مطلع الحرب العالمية الثانية عندما بدأت المرأة في لعب دور مهم في الحياة العملية. الحاجة للمرأة هي من كانت كفيلة بتحرير عقل الكثيرين من اي أفكار أيديولوجية.

مارجريت ثاتشر (المرأة الوحيدة التي وصلت لمنصب رئيسة وزراء بريطانيا) مثال جميل لامرأة حاربت الفكرة الدونية لبنات جنسها. يحضرني هنا ردها لصديقها عندما أراد الزواج بها. رد يختصر الكثير و يعزز من مكانة المرأة المنسية بسبب فكر ايديولوجي منحاز للذكور في المجتمع. تقول ثاتشر؛
“أنا احبك، لكني لن اكون أبدا احدى تلك النساء اللاتي يصمتن ويختفين تحت جنح أزواجهن، او ان اقضي معظم وقتي بين الطبخ، والغسيل ورعاية الأطفال. يجب ان يكون لحياة الانسان معنى. معنى أسمى من ذلك كله”
(مصدر كلامها هو الفيلم الذي حكى قصتها، لذلك لك الحق ان تشكك في مصداقيته، لكن يظل يحمل خلفه بعض المعاني الجميلة)

مثال آخر؛ عندما تسمع عن جريمة قتل، ثم توصلك تحليلاتك العبقرية ان وقوع الجريمة يرجع فقط لكون القاتل يتبع المذهب الشيعي او السني، هنا كن متأكدا ان عقلك لم يعد ملكك، وقد تم اغتصابه بالكامل عن طريق فكر ايديولوجي تبنّاه مجتمعك و اجبرك على تصديقه. العجيب انه اجبار لكن بكامل ارادتك. كارل ماركس يفسر هذه الظاهرة بـ “الوعي الخاطئ”. اي انك تعي المشكلة، لكن تفسيرك لها تم تقييده بسبب فكر أيديولوجي في مجتمعك. هذا الفكر نراه ونسمعه في مجتمعنا كل يوم، في تويتر، في الاعلام و حتى في الأحاديث اليومية. ركز جيدًا عند سماعك للأخبار؛ “شيعي” يقتل اطفال أبرياء في سوريا. و “سني” يفجر مجالس للشيعة في العراق.
لاحظت؟ تم اغتصاب عقلك و تقييد مجال تفكيرك بكامل رضاك و دون الحاجة لأي من أساليب التحكم الاعتيادية.

تغيير فكر أيديولوجي في المجتمع ككل ليس خيارا متاحًا على ارض الواقع. لذلك الأمل يبقى في إرادة الفرد نفسه لتحرير عقله من اي قيود يفرضها عليه مجتمعه. وصولك لنهاية التدوينة بادرة جميلة للتغيير. هذه التدوينة لك انت. حرّر عقلك ..

مهتدى المزعل ..
07/10/2012

المصادر:
Eagleton. 1991. What is ideology?

An end of a journey

I’m writing this while at the airport. Boarding to Saudi in an hour.

This is it. A journey of 4 years has come to an end.
I can never define my feelings. I surely am happy. My hard work over the last 4 years has paid off and I gladly graduated. Yet, leaving Britain can never be easy. It is indeed, bittersweet.

The 4-years-period has changed me as a person. It Taught me lessons & gave me experiences, which I don’t think I would have gained while in Saudi.
I used to be a follower, in everything. You can’t blame me, breaking the norms back home can be a serious offence. I hence never had the courage to even think differently. If Britain has given me nothing, I would still be thankful for the space it gave me to live independently and hence think differently.

They have been by far the most fruitful 4 years in my life. Full of unforgettable memories. I will always remember our reading club & the weekly meetings we had at Cafe Nero. And I will always remember the everyday-lessons I had, from friends, colleagues and even from taxi drivers.

I herby leave behind me great memories, amazing friends, and a whole experience to remember. Yet, it is just the beginning.

التعصب العاطفي .. كارثة!

هل تعتبر نفسك انسان متعصب لرأيك؟ ام انت من من يلتزمون الحياد ومنطق الوسطية في نقاشاتهم؟

بطبيعة الحال كل منا له آراء و وجهات نظر تختلف عن الآخر لذلك من الطبيعي جدا أن يغلب على بعض آرائنا شيء من التعصب. الدكتور علي الوردي يؤكد على هذا الشيء ويعتقد ان التعصب صفة سائدة و طبيعية في الانسان, و الحياد هو مجرد أمر طارئ عليه و قد يندر وجوده. لكن ما ضرر هذه الصفة, وما هي أسبابها الحقيقية؟ وهل من الممكن التخلي عنها؟

أعتقد أن أكثر التعصب الذي نراه يرجع الى اسباب عاطفية وليست عقلانية وهنا يكمن ضرر هذه الصفة. اقصد بالتعصب العاطفي هنا التسليم المطلق بصحة آراء تم تبنيها بسبب العيش في بيئة معينة وليس بالضرورة ان تكون لها دلالات عقلانية خارج إطار تلك البيئة.

الرجوع إلى أساس تكوين الفكرة أو الرأي عند الانسان قد يساعدنا أكثرعلى فهم العلاقة بين التعصب للرأي و الجانب العاطفي. بعض الباحثين أجروا دراسة لقياس كيفية عمل العقل البشري في تكوين الرأي واعطاء معنى لما حوله. تقول الدراسة أن كل معلومة يتلقاها العقل هي في أصلها بلا معني. المعلومة بطبيعتها مجردة و ليس لها قيمة. الخطوة الأولى التي يقوم بها العقل هي البحث عن علاقات ونقاط اتصال بينه وبين المعلومة ويحاول إضفاء معنى لها بحسب محيطه أو بحسب القناعات التي تعايش معها. هنا بعض الصور توضح هذه الفكرة. البعض قد يراها أنها مجرد خدع بصرية, لكنها في الواقع تبين مدى اختلاف اعطاء المعنى للصورة نفسها من شخص لآخر بسبب بيئته أو حتى بسبب مرحلته العمرية.

تقول الدراسة ان الطفل يرى الصورة التالية بشكل مغاير لما يراه الشاب مثلا

إذاً من الممكن القول ان الانسان يرجع اي معلومة جديدة الى خبراته السابقة المتعايش معها ليضيف معنى او منطق لما تلقاه. الانسان بطبيعته يبحث عن ما يساند هذه التصورات المتعايش معها فيبدأ – لا شعوريا –  بعمليات تنقيح يختار من خلالها ما يوافق تفكيره من جريدة, او قناة تلفزيونية أو حتى الخطيب الذي يستمع إليه. حتى مع عمليات التنقيح هذه, يصطدم الانسان بين الحين والآخر بمعلومات تخالف قناعاته المتعايش معها مما يحدث له اضطراب واستفزاز لمشاعره  يجعله في أغلب الأحيان يرفض الامر بعصبية (تعصب عاطفي). حدة هذه العصبية تختلف باختلاف وعي الشخص وباختلاف مدى تمسكه وارتباطه ببئته.

اعتمادًا على هذه الدراسة من الممكن القول أن بداية تكوين الرأي هي عاطفية وذلك يرجع لمحدودية الجانب المعرفي لعقل الانسان عند مقابلته لأي معلومة جديدة. في الحالة الطبيعية, يكون العقل في عملية تجديد مستمرة فيبدأ –  بازدياد اطلاعه –  بإضافة دلالات عقلانية لأفكاره. لكن الحالة المنتشرة في مجتمعاتنا هي استمرار غلبة الجانب العاطفي على آرائنا فينتج لنا تعصب أعمى يرى الأمور من منظور واحد فقط. الهجوم على الدكتور عدنان ابراهيم والدكتور حسن المالكي من الجانب السني و على السيد محمد فضل الله  والدكتور علي شريعتي من الجانب الشيعي مثلًا يثبت وجود هذه الظاهرة في مجتمعاتنا. انا لست بمقام أن أصحح أو أخطئ ما جاؤا به, لكنهم أثبتوا لنا تحررهم من الجانب العاطفي, خرجوا عن الرأي السائد وبدأوا بطرح تساؤلات عن ما يعتبره الأغلبية في مجتمعاتهم مسلَمات لا خلاف فيها.

 الحل لتقليل أثر الجانب العاطفي علينا هو القبول بأن اللوحة الكاملة للكون تحتمل أكثر من معنى (كما وضحت في الصور السابقة) وأن آرائنا تمثل تفسير واحد فقط. انتقادك لذاتك قد يتيح لك فرصة للنظر لآراء غيرك بنظرة أكثر انفتاحًا و أقل تعصبًا. يقول السيد محمد فضل الله ..” ان تكون انساناً, أن تخرج من سجن ذاتك”. نعم, قد يكون رأيك الذي استقيته من بيئتك هو الصواب, لكن تعصبك العاطفي له قد يمنعك من النظر الى الصورة كاملة واكتشاف ان غيرك قد يكون على صواب أيضًا وقد يسلب منك هذا التعصب شعور التسامح تجاه الآخر. وكما يقول فولتير .. “كن شديد التسامح مع من خالفك الرأي فإن لم يكن رأيه كل الصواب فلا تكن انت كل الخطأ بتشبثك برأيك”

مهتدى المزعل

27/04/2012